عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 16 تشرين الأول 2016

تغريدة الصباح – تغريدة مجنونة

حنان باكير

أفكار مجنونة تداهمني أو هي فانتاسيا متخيلة. ربما كان مردها، ذلك التطور المتسارع للتكنولوجيا. فتحضرني صورة حياة أجدادنا، مقارنة مع حياتنا اليوم، وأحاول أن أسستشف شكل حياة أحفادي في المستقبل. ولو قدّر لي أن أعمّر مثل جداتي، فهل سأصبح مثار تندرهم، حين يذهلني نمط حياتهم؟ أمس تذكرت جدة أبي التي عاشت بيننا وقد تجاوزت العاشرة بعد المئة من العمر.. ولو صحت اليوم من سباتها الطويل، فسوف أجد نفسي معها في سلة واحدة، في دهشتنا أمام التكنولوجيا.

يوم شاهدت جدتي التلفزيون في بيتنا لأول مرة علقت: بعكا كان عنا سينما الأهلي، كل الناس تروح عليها. هلأ صار لكل بيت سينما، ويا خوفي بكرا يصير لكل واحد سينما خاصة به. أذكر أننا ضحكنا لتعليقها واعتبرناه تخريف امرأة عجوز. اليوم أتذكرها.. كلما شاهدت عائلة يجلس أفرادها معا وكل مشغول بهاتفه أو الآي باد خاصته.

جديد التكنولوجيا، يطالعنا كل يوم بما يثير العجب. ومع كل تطور، تضعف الحاجة الى الأيدي العاملة. نحجز بطاقات السفر عبر الانترنت. العديد من الفنادق غيّرت ثقافتها الفندقية، والصورة التي اعتدناها، من قاعة دخول مع صالون استقبال، وموظف يسرع الينا لتقديم المساعدة، ونقل الحقائب. الآن نجرجر حقائبنا.. ندخل الفندق برقم سريّ يرسل لنا. عدة أبواب علينا اجتيازها قبل الوصول الى غرفنا. السيارات والباصات صارت أذكى من أن تستعين بسائقين، فقد أتقنت السير بمفردها.

المعاملات البنكية ودفع الفواتير، وصفة الدواء من الطبيب، الملف الطبي.. كلها مخزنة في ذلك الجهاز الصغير، الذي أراحك من حمل الملفات وأكداس الاوراق. والأجهزة كلها صارت ذكية، وبـ "آي كيو" عال جدا. ساعة يد ذكية، تقيس ضغط الدم وتجس النبض وتعرف مقدار السكر في الجسم.. وربما بعد قليل تقوم بعلاجنا. حقيبة سفر ذكية جدا.. تحمل ملابسك وحاجياتك وإن شئت تحملك ايضا، فتحوّل جزءا منها الى ما يشبه الدراجة. ويمكنها أن تتبعك بدون أن " تمسك بيدها"، تسير خلفك مطواعة، كما تسير المرأة خلف زوجها المتخلف. وبإمكانها أي الشنطة لا الزوجة، أن تبتعد اذا ما اعترضها جسم ما يقف في طريقها، وتجدك اذا ما أضعتها.. خزانة الملابس الروبوت ذكية ايضا.. ما عليك الا أن تضع ملابسك فيها كيفما اتفق، وبلحظات تقوم بتعريب السراويل والقمصان و... وتقوم بكيّها وطويها!

 انشغلت ببعض التفاصيل، ونسيت مكمن الأفكار المجنونة. يرى علماء الأحياء، أن الكائنات الحية تتطور وتتغير متكيفة مع بيئاتها، فتفقد بعض خصائصها، وتكتسب خصائص جديدة. وأن بعض الحيوانات، تطورت وفقا لنوعية حياتها.. فالحيتان مثلا، عندما كانت برمائية، كان لها أطراف تساعدها على السير. وعندما اختارت الحياة المائية، تقلصت اطرافها واختفت تقريبا!

خطر لي.. أن البشرية اذا ما اعتمدت نظام التكنولوجيا أو الآلة، وسوف ترضخ لهذا التغيير، شاءت أم أبت. وسوف يقل استعمال الأطراف، التي ستبدأ بالكسل والتعب فتتغير خصائصها! وكذلك الجلوس امام الآلة وقلة الحركة .. والأهم عدم تشغيل العقول والاعتماد على الالة.. فعلى المستوى البسيط، كنا نحفظ عشرات ارقام الهواتف في رؤوسنا، والآن بالكاد نحفظ ارقام هواتفنا.. فكيف سيكون التطور الجسدي لبني البشر مستقبلا! هل سنتحول الى مخلوقات جديدة وهجينة، مع تغير نمط حياتنا؟ وهل سيكون نسلنا يشبهنا وعلى شاكلتنا؟

ويشغلني أمر هؤلاء المخترعين والمكتشفين الذين يدركون التغيير الذي سيكون.. فهل سيكون لهم الاحتياطات الواقية لشعوبهم، ويتركون سائر الأمم الفقيرة والنامية، تتحول الى مخلوقات جديدة في حقول تجاربهم!