عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 09 تشرين الأول 2016

بيت الحكمة - خرافة التنمية المستدامة

منير فاشه

ذكرت في أكثر من حلقة أنه بالرغم من أن السكاكيني نبّهنا وحذّرنا قبل 120 سنة (وهو بعمر 18 سنة) من الاحتذاء بحذاء الغير، ما زلنا نلهث وراء احتذاء أحذية الغير والتفاخر بذلك. ما زلنا نجلب ما صاغته وبلورته الجماعة الأورو- أميركية ونعيده لطلبتنا كالببغاوات وكأنه البلسم؛ ما زلنا نسعى لأن نكون نسخا عن الغير معتقدين أن ذلك هو طريق التقدم. الأمثلة كثيرة؛ يمكن لأي شخص أن يتأمل فيما مرّ به ويتذكر كلمات وتعابير يردّدها دون وعي عواقبها. ترداد ما نسمعه أو نقرأه فقط لأنه صادر عن سلطة معرفية تدّعي العالمية هو أسوأ أنواع الاستهلاك إذ يؤدي بنا إلى عدم وعي ما لدينا وإلى فقدان مناعتنا الداخلية وقدرتنا على حكم أنفسنا. ذكرت في حلقات سابقة بعض هذه الكلمات التي لها إيحاءات أكثر من دلالات، وتستمد معانيها من مهنيين ومؤسسات، وتهدف إلى الإلهاء والسيطرة (كجودة التعليم والحق في التعليم والتميز والإبداع). اخترت لهذه الحلقة تعبير "التنمية المستدامة".

هذا التعبير هو مصطلح مؤسسي مهني وتصنيف أكاديمي هدفه الإلهاء والسيطرة. فهو يلهينا عن كلمات تنبع معانيها من الحياة مثل دورة الحياة والقدرة على توليد الحياة وهما تعبيران يعكسان استدامة الحياة. 'التنمية المستدامة’ تعبيرٌ يوحي بالحاجة إلى مهنيين وشهادات وورش عمل وبرامج تدريب وشهادات ليفهمه الشخص، وبالتالي يتطلب سيطرة وهرمية وخبراء وتقييم. في المقابل، التعبيران – 'دورة الحياة’ و'القدرة على توليد الحياة’ – لا يحتاجان إلى كل تلك البهرجة، وبالتالي لا يرتبطان بملهيات ولا بسيطرة؛ هما ملك الناس ويقعان ضمن حكم الناس.

بالإضافة إلى ما ذكرته بأعلاه، ينطوي تعبير 'التنمية المستدامة’ على تناقض داخلي، إذ لا يوجد شيء في الحياة ينمو باستدامة. الأشياء الوحيدة التي نمت باستدامة خلال المائتي سنة الماضية هي: الأسلحة، وتخريب الحياة في الجوهر، والتراكم الأسي لرأس المال؛ والثلاثة وصلوا إلى نقطة في الوقت الحاضر تحدّ من هذا النمو أو لا معنى للاستمرار فيه. أما بالنسبة للحياة، فكما سبق وذكرت، الشكل الوحيد للاستدامة هو دورة الحياة والقدرة على توليد الذات. بهذا المعنى الطبيعة مستديمة بطبيعتها، لا تحتاج إلى تدخّل الإنسان – بل على العكس، فقد أصبحت استدامة الحياة في خطر عبر تدخّل العلوم بمفاهيمها وممارساتها المهيمنة، والتي صاغها أبو العلم الحديث 'فرانسس بيكن’ قبل 400 سنة حيث عرّف العلم على أنه إخضاعٌ وقهرٌ وتركيعٌ للطبيعة. ساهمت العلوم والأكاديميا أكثر من أي شيء آخر في قتل هذه استدامة الحياة. فمثلا، بذور النباتات التي تصنّعها شركة "مونسانتو" غير قادرة على توليد ذاتها. لعل أكثر فكرة نجحت في تخريب دورة الحياة والقدرة على توليد الذات وتوليد الحياة – أي كانت ضد استدامة الحياة – هي فكرة التنمية التي أعلن عنها قبل سبعين سنة الرئيس 'ترومان’ (بعد الحرب العالمية الثانية) في خطابه وقت تسلّمه رئاسة الولايات المتحدة في كانون الثاني عام 1949، حين قال أن العالم خارج أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية متخلف وعلى الدول 'المتقدمة’ أن تساعد في تنميته! من الصعب التفكر في كلمة عبر التاريخ انطلقت من احتقار الناس والمجتمعات والحضارات ولاقت قبولا واحتضانا ونجاحا قدر ما لاقته كلمة تنمية! ثم تبعها تعبير "التنمية المستدامة" بعد 40 سنة ليعمّق حالة التخدير التي ما زلنا نعيشها غير واعين ولا آبهين بالتخريب الذي حصل وما يزال يحصل على أصعدة شتى. في رأيي، هناك سببان رئيسيان دعيا 'ترومان’ لإعلان ذلك: الأول، ليبعد أذهان الناس عن الجريمة الكبرى التي اقترفها والتي تجلّت في أمره بإلقاء قنبلتين ذريتين على مدينتين مأهولتين؛ والثاني، لأن الولايات المتحدة احتاجت إلى أداة لاستمرار السيطرة على الشعوب غير أداة الحرب. فكرة التنمية كانت الأداة 'السحرية’ التي – كما سبق وقلت – ربما كانت أنجح فكرة في التاريخ لسلب الشعوب ما لديهم من مقومات وقدرات وعلى حكم ذاتهم، إذ أصبحت تلك الشعوب معتمدة كليا على أوهام وخرافات نعاني منها بقوة حاليا. عنت التنمية منذ ذلك الوقت أن نلحق وراء سراب وأن نكون نسخا لأصلٍ تحكمه قيم السيطرة والفوز والجشع.

*        *        *

ما زال خليل السكاكيني بمثابة قنبلة موقوتة تعيش بيننا، تنتظر اللحظة التي ستنفجر فيها وتهدم الجدار العنصري المعرفي حول عقولنا والذي يمنعنا من وعي واستعادة ما لنا وما لدينا.