سيرة وانفتحت - جنازة بيريس وجنازة الحوار
بقلم: حسن سليم
ليس خفيا ان دولة فلسطين تحت الاحتلال تجد نفسها مضطرة للرقص على خيط رفيع، ويمكن ان تسقط في كل لحظة الى جانب التعاون مع الاحتلال او الى جانب التعرض للتصفية من قبل سلطات الاحتلال، فيما يواجه الرئيس ابو مازن في "الوضع المستحيل" كلاعب ورق مع سلطة الاحتلال التي تملك "الجواكر" الاربعة اللازمة لهذه اللعبة، دون ان يملك سوى ورقة لعب واحدة صغيرة، ويرى ان مهمته الاصعب وتحتل اولوية لديه تتمثل في الحفاظ على سلامة شعبه الخاضع تحت الاحتلال، حتى تمر موجة الغضب وحتى تضطر اسرائيل الى التنازل عن الاحتلال، والمستوطنات، وعمليات السلب، والاستغلال، والقمع والاضطهاد. أما العالم، فيكتفي بالتلاعب في الفاظه، حيث يظهر دعما وتعاطفا عميقا مع الشعب الفلسطيني، لكنه يتعاون من تحت الطاولة مع سلطة الاحتلال.
دولة الاحتلال الاسرائيلي التي لا تتوقف عن محاولاتها المحمومة ان تضعف الرئيس ابو مازن بكل الوسائل، سواء بالتحريض ضده، ووضعه في برواز العدو الخطير على الكيان، رغم التزامه بكل حرف بالاتفاقات الموقعة معها، او من خلال فسح المجال للخصوم بالنمو والتمدد على حساب سلطته ونفوذه.
اقتبست بتصرف، ما سبق من مقالة للكاتب الاسرائيلي اليساري اوري افنيري، كتبها بعنوان "توازن ابو مازن"، غير ان ما كتب يصلح ليفتح النقاش حول حقيقة اصطلاح ما زال الجدل حوله قائما، وهو "سلام الشجعان"، في ظل ما تمعن دولة الاحتلال الاسرائيلي على القيام به، بعد ما يزيد عن عقدين من الزمن من اتفاق السلام والاعتراف المتبادل، وحصول رئيسنا الشهيد ياسر عرفات بموجبه على جائزة نوبل للسلام الى جانب كل من اسحق رابين وشمعون بيريز.
الرئيس ابو مازن، وهو اخر الباقين في الحكم ممن كتبوا "اتفاق السلام"، بعد استشهاد ياسر عرفات، وموت رابين وبيريز، ورحيل كلينتون عن البيت الابيض، ما زال يؤمن بان ثمة فرصة وأمل لسلام، يمكن تحقيقه، حتى لو استلزم الامر ما قام به من عمل "انتحاري"، يعلم ان له ثمنا شعبيا، لكنه غامر بان يدفعه.
اخر عملياته كانت يوم الجمعة الماضي، بمشاركته في مراسم تشييع رئيس دولة اسرائيل السابق شمعون بيريز، بعد طلب شخصي من عائلة الاخير، وهو الامر الذي عارضته حكومة نتنياهو وائتلافه الحكومي، بل ووضع العراقيل والاشتراطات لافشال المشاركة، لكنها في النهاية لم تنجح بضغط من عائلة بيريز.
المشاركة في جنازة شمعون بيريز التي احدثت جدلاً كبيراً في الشارعين الفلسطيني والاسرائيلي، لم تلق تأييدا شعبيا، أو على الاقل لم تحظ باجماع شعبي، تحت عنوان ان شمعون بيريز هو عنوان لمجزرة قانا، واحد المؤسسين لدولة الاحتلال وراعي الاستيطان، وبانه صاحب تاريخ حافل بالسواد، وبالمقابل على الجبهة الاخرى، في دولة الاحتلال، لم تكن المعارضة لمشاركة الرئيس ابو مازن اقل من ذلك، حيث ظهر التحشيد الكبير، وعلى اعلى مستوياته من قبل شركاء نتنياهو وممن هم على شاكلة رئيس حزب البيت اليهودي، ووزير التربية في حكومة نتنياهو(نفتالي بينت) الذي تساءل عن سبب وقوف شخصيات إسرائيلية رفيعة بالدور من أجل مصافحة الرئيس أبو مازن الذي يحرض على قتل الإسرائيلين، ويدفع الرواتب لمنفذي العمليات، مطالبا الرئيس ابو مازن ان يوقف الجنازات قبل أن يصل لحضور الجنازات، فيما طالبت الحركات اليمينية المتطرفة مساءلته بسبب مصافحته للرئيس ابو مازن، بعد ان وصفته براعي "الارهاب"، وبان استقباله والسماح له بالمشاركة بمراسم التشييع، انما بمثابة صك غفران من "الارهاب".
ان موقف حكومة دولة الاحتلال، واقطاب ائتلافها وتاريخهم لا يشكل اي اضافة جديدة، والحقيقة التي لا يجب ان تغيب عن وعينا انه ليس فقط شمعون بيريز، مثل اسحق رابين وغولدا مائير، و(...)، والقائمة تطول لتعداد من يتحملون المسؤولية عن عذابات شعبنا، وممن تلطخت اياديهم بدماء شعبنا وقادته، واللوم ليس مقصورا على قادة دولة الاحتلال، بل من قادة وحكومات من دول عديدة ولا سيما من التي تتغنى اليوم بحقوق الانسان والعدالة والحرية، كلها شاركت برعاية وتغذية وتنمية دولة الاحتلال، او بالحد الادنى السكوت عنها، دون ان يرف لها جفن، او يصحو لها ضمير، وهي ترى المشردين الفلسطينيين يجوبون العالم يبحثون عن ملاذ آمن، ولا اظن ان من كتب اطروحته لنيل درجة الدكتوراة في اليهود والصهيونية، لا يعلم ما هي حقيقة كل فرد منهم، لكنه يؤمن بفكرة اراد ايصالها.
ان شعبنا قبل قيادته، يمكن ان يصالح، وهذا ما حدث بعد اتفاق اوسلو، فبعد دخول القوات الفلسطينية للمدن التي كانت تنسحب منها قوات الاحتلال، كيف كنا نعلق الاعلام الفلسطينية، واغصان الزيتون على مركبات جيش الاحتلال ونرقص معهم ونصافحهم، لكن غير قابل للشك، اننا لا ننسى عذابات شعبنا ولا تضحياته من اجل الحرية والاستقلال، ولهذا لا بد من استمرار الكفاح، دون اعلان التعب وارهاق المسير.
واضح ان الفجوة ما زالت عميقة بين سلام الشجعان، الاصطلاح الذي تم التعارف عليه، وبين شجاعة السلام، فالاسرائيليون قتلوا احد مؤسسي دولتهم وباني مؤسستهم العسكرية، اسحق رابين لانه قرر أن يضع حداً لمسلسل الحروب التي خاضها، واكتفى بما جنت يداه من مجازر، ليوقع اتفاق سلام، مع الفلسطينيين، بل وقتلت حكومتهم الفلسطيني الذي وقع اتفاق سلام معهم، الشهيد ياسر عرفات، لتؤكد حقيقة عمق الفجوة بين عقليتهم التوسعية وبين سلام يسعى الفلسطيني بكل السبل لتحقيقه، وترسيخه من اجل الاجيال القادمة.
واليوم وبعد مشاركة الرئيس ابو مازن في جنازة شمعون بيريز، فان المجتمع الاسرائيلي، بل والمجتمع الدولي مطلوب منه ان يجيب على تلك المشاركة، بان يسأل، ويسائل نتنياهو وحكومته، عن الرافض للسلام، وعن السيناريو المنتظر في ظل استمرار تعنته، واصراره على وضع العصي في دواليب عجلة السلام منذ صعوده سدة الحكم.
اما فلسطينيا، وبعد انتهاء مراسم جنازة شمعون بيريز، التي كان لها وما عليها، فان الخلاصة تفيد بان الجنازة الحقيقية المؤلمة والمستمرة، لم تكن لبيريز بل للغة الحوار والاختلاف، التي تدمي القلب وتحزنه، بعد ان وقع حق الاختلاف المكفول في وحل التخوين والتكفير، ورسبنا في امتحان ليس مصيريا، وكان يمكن ان ننجح فيه جميعا، وان اختلفت درجات نجاحنا.