ماذا لو لم يشارك الرئيس في جنازة بيريس؟
بقلم: باسم برهوم
تمهلت قبل كتابة هذا المقال، كي أقرأ بهدوء كل ما قيل عن مشاركة الرئيس محمود عباس في مراسم دفن شمعون بيريس. من دون شك أن لكل فعل رد فعل، فما بالك والحال يتعلق بفعل بهذا الحجم الذي لا يُمكن وصفه إلا بالجريء والشجاع والمسؤول في آن معاً. بالتأكيد أن هذا المقال لن يحظى بشعبية، كما هي حال مشاركة الرئيس، ولكن العقل والمسؤولية مرة أخرى ما يجب أن يأخذا مجراهما لا الأهواء ولا العواطف ولا المزايدات التي اعتدنا عليها في الساحة الفلسطينية. وبما يخص المقال فإن المسؤولية هنا، مسؤولية الكاتب والإعلامي هو تشخيص الواقع كما هو ومحاولة تعزيز الوعي الوطني بمنطق الاشياء لا بأهوائها.
ما رأيته في مشاركة الرئيس في جنازة بيريس، هي جرأة وتحمل حقيقي للمسؤولية واتخاذ القرار الصائب بغض النظر عن مدى شعبيته هذا القرار من عدمه، رأيت في مشاركة الرئيس خطوة هدفها حماية الشعب الفلسطيني وقضيته، حماية المكتسبات الوطنية، علاوة عن كونها رسالة سلام للعالم وصناع الرأي العام، وفي توضيح هذا الكلام وبهدف وضع ما جرى في الميزان الصحيح وبما يجب أن يبدأ بالسؤال، ماذا لو لم يشارك الرئيس في جنازة بيريس؟
لو لم يشارك الرئيس، لكان فريق اليمين واليمين المتطرف في اسرائيل، نتنياهو، ليبرمان، وبينت، قد طَبل بأن الرئيس عباس ليس شريكاً للسلام، وأنه لم يحضر جنازة من وقع معه اتفاقية اوسلو في واشنطن عام 1993، والأخطر لكان تجاوب مع هذا الموقف كل من له مصالح من التنصل من مسؤولية البحث عن حل عادل ودائم في الشرق الاوسط. وفي ظل كل ذلك سيكون متاحاً، وتحت شعار ليس هناك شريك للسلام في فلسطين، ان تقوم حكومة اليمين بما تشاء وتنقض على مكتسبات الشعب الفلسطيني، ولن تجد من يردعها بالحزم والسرعة المطلوبين.
وفي السياق ذاته، لو لم يشارك الرئيس، لكانت كل جهوده وجهود القيادة الفلسطينية على الساحة الدولية، قد فقدت جزءاً كبيراً من مصداقيتها ولكانت باريس على سبيل المثال، وهي التي تتعرض الى ضغوط كبيرة، أن يسهل عليها التخلي عن مبادرتها بعقد مؤتمر دولي للسلام حول الشرق الأوسط.
قد يكون كل ما سبق ليس مهماً في نظر كثير من الناس، لكن ما سبق هو الواقع السياسي للعالم اليوم هذا، العالم الذي يتحرك ضمن ايقاع معين خصوصاً عندما يتعلق الأمر بإسرائيل، فالشعب الفلسطيني ضحية سياسة ازدواجية المعايير، ومهمة القيادة الذكية التي تراعي مصلحة الشعب والقضية، أن تعمل على تقليل الأضرار جراء هذه السياسة قدر المستطاع وهكذا تصرف الرئيس.
ليس أسهل من أن يهدر دم الشعب الفلسطيني، وليس أسهل من أن يصمت العالم على جريمة هدر دمه، ودم قضيته الوطنية، هكذا علمتنا التجربة في صراع طويل ومرير امتد لأكثر من مئة عام، لذلك فإن مسؤولية أي قيادة أن تمنع هذا الاستسهال قبل أن يحدث، خصوصاً نحن نعيش في منطقة الدم يسيل فيها دون حساب ودون أن نلمس أن هناك ضميرا عالميا يتحرك فعلاً لوقف شلال الدم هذا، ووقف ما يصاحبه من تشريد وألم ومعاناة، ونحن نعيش في عالم لا يأبه بنا وبدمنا وقضيتنا، فما هو واجبنا إذاً؟
ثم للنظر من هم المتضررون الحقيقيون من مشاركة الرئيس، اليوم هم من ينهش الجسد الفلسطيني استيطاناً ومن لا يؤمنون فعلاً بوجودنا، ولا يريدون أن يتجسد هذا الوجود بأي شكل أمام أعينهم وفي عقر دارهم، ثم من قال إن الصراع مع الصهيونية هذا الصراع المعقد والطويل، ليس فيه مثل هذا الاقتحام الذي قام به الرئيس ليؤكد من خلاله حقيقة الوجود الفلسطيني، وفي المكان المناسب والوقت المناسب.