عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 28 آب 2016

الصعود التركي الأخير: من صنعه وكيف تراه العرب؟

د. مراد شاهين

غالباً ما يُقْترن الصعود التركي السياسي والاقتصادي والعسكري إقليميا ودوليا منذ 2002 وحتى اليوم بشخص السيد رجب طيب اردوغان وحزب العدالة والتنمية الحاكم في البلاد. ولكن يدرك العارفون أن نهضة الأمم عملية شمولية متكاملة طويلة تصنعها أمة بأكملها، وما دون ذلك فيه إنكار سافر للوقائع التاريخية. فعلى هذا الأساس أعتقد ان عُمُر التجربة النهضوية التركية الماثلة امامنا أكثر من تسعين عاما. بدأت تركيا مسيرتها التقدمية مرتكزة على عقيدة ومبادئ وضعها مؤسس الجمهورية التركية الحديثة، مصطفى كمال باشا، المُلقب بــِ أتاتورك (الأب أو المؤسس) عام 1924، مثل التحرر والاستقلال، العلمانية، إصلاح وتحديث التعليم والقوانين، التنمية الاقتصادية والصناعية، صداقة الشعوب المتحضرة، السلام والسعادة، والإصلاحات الاجتماعية وحقوق المرأة وغيرها.

بعد وفاة اتاتورك عام 1938، ظلت تركيا تبدو منطوية إدراكا لمبادئ أتاتورك وشعاراته: "سلام في الداخل وسلام في الخارج"، وإدراكا لإستراتيجية التوجه نحو الغرب وليس الشرق تحت شعار "الغرب أولاً". وهذا اساسه ان الطريق الى تَغَلُبْ تركيا على موروثها السياسي والثقافي المتأخر سببه ارتباطها التاريخي بالمشرق العربي والإسلامي المتأخر عن مناهل المدنية الغربية– كما كان الاعتقاد سائداً إبان نشوء الجمهورية. وظل هذا النهج مستمرا حتى سبعينيات القرن الماضي. في تلك الفترة تطورات كثيرة ومُهمّة كانت تنشط في الداخل التركي (انقلابات عسكرية وبداية صعود الإسلام السياسي في البلاد). وأول ما بدأ يلمع في تركيا كان بظهور رجل أعمال من أتباع الطريقة النقشبندية، نجم الدين أربكان، ومؤسس حزب الرفاه ذي الطابع الإسلامي عام 1970، الذي حلته السلطات التركية بحجة تجاوزه المبادئ العلمانية. لكن أربكان،الصوفي الرومانسي، عاود ترتيب صَفَّهُ السياسي تحت مسميات مختلفة للالتفاف على القانون. واستمرت تلك العملية حتى 1997، حينما تمكن حزبه الجديد من الفوز بأغلبية برلمانية وشكّل حكومة البلاد.

أما التطور الآخر والمهم في تحريك المياه الراكدة في تركيا هو وصول تورغوت أوزال الى رئاسة الوزراء من 1983-1989، ثم شَغْلَهُ منصب رئاسة الدولة من 1989-1993. اتصف عهده في السلطة بانفتاح سياسي واقتصادي واجتماعي وديني، أيضا، بشكل وُصف انه غير مسبوق في تاريخ الجمهورية التركية. وفي عهده تقدمت تركيا للانضمام الى السوق الأوروبية المشتركة إلا ان الطلب جوبه بالرفض. وفي فترة حكمه بدأ تشييد سد اتاتورك الضخم لجمع 48 ميار متر مكعب من الماء، وتوليد 2400 ميغاوات من الكهرباء.

وجاءت اللحظة المواتية لانطلاقة الماراثون التركي بعد أكثر من عقدين من الإصلاحات الداخلية البطيئة والخجولة– انه الوقت الذي انهار فيه الاتحاد السوفييتي، وانتهاء عهد الاستقطاب، وإعلان العالم الليبرالي انتصاره و"نهاية التاريخ". في تركيا صعد الإسلام السياسي الى سدة الحكم صراحة عام 1997. لكن تركيا العلمانية لم تحتمل ذلك اللون الفاقع في السياسة التركية ما أدى الى استقالة أربكان وحُل حزبه بعد سنة. وفي العام 2002 انطلق السباق الحزبي تحت راية التنمية والعدالة الذي أَسّسه وقاده الى سدّة السلطة اردوغان. وكانت انطلاقته تحظى بتأييد جماهيري عريض. وسر تفوق الحزب الجديد وتعاظم شعبية قياداته انه رَوّض الإسلام السياسي بحيث لا يضيق صدر الشعب التركي بلمعانه (داخلياً)، وكان أكثر جرأة ممن سبقوه في الانفتاح مع العالم. وهنا بدا وكأن تركيا وجدت ضالتها في رؤية حزب التنمية والعدالة الذي شرع بمراجعة شاملة لِوُجْهَة الجمهورية في علاقة الدولة بالمجتمع وعلاقة تركيا بحلفائها وخصومها، ابتداءً بمبدأ تصفير الخلافات وانتهاءً بتعزيز شراكاتها التجارية مع الاتحاد الأوروبي، روسيا الاتحادية، اميركا، إسرائيل، آسيا الوسطى، الصين، افريقيا والعالمان الإسلامي والعربي.

داخلياً صالح اردوغان الأمة التركية مع هويتها ودولتها من خلال التوفيق بين التاريخ والتراث من جهة، ومقتضيات حاضرها ومستقبلها في عالم مُتَحوّل من جهة أخرى، بإزاحةً معظم مسببات تشتيت طاقات الأمة لكي تعمل كفريق متناغم. كان بداية إعادة ثقة المواطن التركي بنفسه وهويته عندما ذكَّرَ اردوغان الأتراك بأنهم ورثة الدولة العثمانية العظيمة وهي صاحبة المسؤولية في الدفاع عن حقوق الشعوب المظلومة. وانشغلت الدولة بِلَعِبْ دورها كقائد للمجتمع متناغمة معه في هويتها وفلسفتها. وعملت الدولة على كسر شوكة العسكر والحد من تدخلاته في الحياة المدنية والعامة من خلال التعديلات الدستورية. وسن القوانين لتجعل صناديق الاقتراع الحارس على قيم الجمهورية وليس الجيش. فقامت الدولة على إصلاح شبكات المواصلات القديمة وبناء أخرى أحدث وأسرع. صار هنالك اهتمام خاص بإصلاح نظامي التعليم والصحة وتشييد مئات المعاهد التدريبية والتعليمية والمراكز الصحية، ومراكز البحث والتطوير. بدأ الاقتصاد التركي يؤتي أُكُله بنسب غير مسبوقة، وصل اعلاها 4.9% عام 2013. وأصبح معدل دخل الفرد يفوق 10,500 دولار مقارنة بحوالي 2,500 دولارعام 2002. وانضمت تركيا على اثر تصاعد قوتها الاقتصادية الى نادي الدول الأقوى اقتصاديا في العالم (G20).

ونحن في العالم العربي منذ 2002 وحتى يومنا هذا استطاعت تركيا ان تصنع لنفسها موقعا، أكاد اجزم انه رَحْب ومُميز، في خَيَالاتْ وحوارات أفراد كل عائلة عربية، تقريبا، من خلال المسلسلات الدرامية التي زخِرت الفضائيات العربية بها. كما استطاعت ان تجعل من نفسها محطة جَذْبِ لاهتمام كبير في الأوساط السياسية والأمنية والاقتصادية العربية بسبب النهضة السريعة التي حققتها في هذه المجالات. ولمن لا يعرف فإن هذا في السياسة يعرف بالقوة الناعمة. تركيا صعدت على مدى الثمانية عقود الماضية في عملية متصلة عضويا بمبادئ تأسيس الجمهورية ولا عودة لها عن ذلك. الواقع في تركيا اليوم لم يأت بتصميم ساحر ولا بدعاء أحفاد السلطنة العثمانية وإنما بعمل أمة مجتمعة على ضرورة ان يكون لها مقعد متقدم في صفوف الأمم الصانعة للمدنية. وتجدر الإشارة هنا الى ان بداية العد العكسي لفاعلية السيد أردوغان وحزبة لا تعني بالضرورة تراجعا للجمهورية والأمة.

لا شك ان للاهتمام العربي بالتجربة التركية المعاصرة ما يبرره، خصوصا وأننا نحن العرب كنا أحد الدوائر المستهدفة من قِبَل السياسات التركية، وأننا نعتقد بعمق روابطنا التاريخية والثقافية والدينية. ولعبت تركيا على هذا الوتر الجياش لمشاعرنا وحازت على قبولنا بها الـ "روبن هود" الذي سيقودنا الى الخلاص من الظلم والقهر. فلقد تأثرنا مباشرة بما يحدث فيها، واحياناً، دفعنا فاتورتها عاليا بأشكال مختلفة. لقد طربنا للعود التركي ونسينا انه ربما للعازف مصالح أخرى. فالعالم اجمع يعلم ان تركيا بلد الواقعية السياسية التي تشيد القصور وتمد الجسور لمصالح تركيا. وهذا بحد ذاته موضوعاً يستحق التوقف عنده بالبحث والتقييم لتدارك تفاقم تداعِياته أكثر وأعمق على المنطقة العربية وشعوبها حاضراً ومستقبلا. ولا يكفي ان نتوقف عند الشعور بالمفاجأة أو بالإعجاب المفرط.

دائرة العلوم السياسية – جامعة بيرزيت