عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 21 آب 2016

تغريدة الصباح - السكّير لا يفشل الديمقراطية

حنان باكير

 يوم صيفي في اوسلو وحده يعطيني الارتياح. وغير ذلك فإن سماع الاخبار، ومشاهدة الحروب وما تنتجه من خراب عمراني وخراب نفسي، سوف يطال اجيالا قادمة.. كلها أسباب لاستدعاء حالة اكتئاب. ذلك الكم الهائل من الفتاوى الشيطانية المنفلتة من عقالها، وتلك الحوارات والاسئلة التي توجه لأصحاب اللحى والطبعة الداكنة على الجبين، ومحورها المرأة وجسدها. ثم النزاعات القبلية والعشائرية، وتسونامي الطائفية البغيضة التي تضرب اكثر من مكان.. كلها دعوات لحالة اكتئاب، واجهاض لأي امل في نهضة انسانية.
اليوم استذكرت الاديب النرويجي " لودفيك هولبرج ".. وهو من رواد مرحلة التنوير الاسكندنافية، بعد مرحلة سيادة اللاهوت وسيطرته على المجتمع. من اقواله، " اذا تعلم الانسان اللاهوت قبل أن يتعلم كيف يكون انسانا، فإنه لن يكون انسانا، لأن اللاهوت يشوه عقولنا ويجعلنا نفكر بطريقة غير عقلانية وغير انسانية". لم يكن لودفيك ملحدا، لكن ايمانه بالله، كان مختلفا عن ايمان الكنيسة السائد حينها. وكان ناقدا لاذعا للمجتمع. كتب العديد من المسرحيات التي نالت شهرة كبيرة. منها مسرحية " يبّه في الجبل". ويبّه هو اسم بطل المسرحية.
كان يبّه، متزوجا من امرأة، يمكن تسميتها " تأبط شرا".. نكدة عصبية المزاج، وكثيرا ما كانت تنهال على زوجها بالضرب وإمطاره بالشتائم. كان متنفسه الوحيد، السكر ومعاقرة الخمر. ولازمته كانت " يقولون يبّه يشرب الخمر، لكن لا يسألون لماذا يشرب الخمر ويسكر"! ويعني الهرب من الفقر وسوط زوجته".
ذات يوم اعطته زوجته بعض المال، لشراء الطعام. خرج يبه الى السوق يجرجر يأسه. وصل الى المدينة، ورأى حانة. وقف ينظر اليها والى المال الذي في حوزته. ثم حسم أمره.. ليس لي الا الخمر، كي انسى همومي. فالسوط ينتظرني إن عدت بالطعام أم بدونه! فدخل وشرب وفقد وعيه، وهو في الطريق الى بيته.
في هذه الاثناء، مر موكب البارون، أمير المدينة. واراد ان يضحك ويسخر من الفقراء، نكاية بتلك الحركة التي كانت سائدة، وتطالب بإشراك الناس في الحكم، واعطائهم دورا مهما في ادارة البلاد. فأمر رجاله بحمل يبّه الى قصره.
في القصر بدّل الرجال ملابسه، وحملوه الى سرير البارون، الذي طلب من الخدم أن يتصرفوا معه وكأنه البارون. استيقظ يبّه، في فراش وثير من الريش فقال: يبدو لي اني في السماء. وأن الله أكرمني لأني صبرت على زوجتي وتحملت سوطها!
سمعه الخدم، فدخلوا وانحنوا أمامه. وسألوه: هل تحب ان تفطر حضرة الأمير! وتعاملوا معه كأمير حقيقي. بعد ايام أخذ دوره، وتصرف بشراسة وعنف.. يطلب من الخدم أن يضربوا احدهم، وأمر بقتل آخر.. وبسبب سلوكه الطاغي، امر البارون بإعادته الى قارعة الطريق.. وحين صحا يبّه، تصور انه كان في حلم جميل. يختم البارون المسرحية بالقول: هناك من يتصور أن الفقراء يستطيعون الحكم، ولكن بالتجربة اكتشفنا ان حكمهم سيكون فوضى وطغيان. ولذا فنحن الأكثر جدارة في ادارة المجتمع"!
أسست النرويج نهضتها، على بناء مجتمع مدني، قائم على العدالة والمساواة في المواطنة.. فيما جاءت انتفاضات شعوبنا غير ناضجة وفي غير أوانها.. ونتساءل إن كانت الديمقراطية هي الحل الأنسب في مجتمعاتنا،  وأوصلت حركات طائفية الى ادارة البلاد! تلك "الفوضى الخلاقة"، أظهرت مدى الانحطاط الاخلاقي والانساني، لدى مجتمعاتنا. ولكن، من ناحية ثانية، هل كانت استراتيجية الحكام، نشر الوعي وبناء نهضة تنويرية، واقامة دولة المواطنة؟! انها ديلما تبعث على الإكتئاب!