عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 15 آب 2016

سبعون عاما على استقلال الهند

*ماهيش كومار

تحتفل الهند اليوم بعيد استقلالها السبعين. ففي يوم الخامس عشر من آب أغسطس عام 1947، وتحديدا قبل سبعين عاما، نالت الهند استقلالها من الحكم الاستعماري بعد صراع طويل من أجل التحرر حيث قاد الشعب الهندي جيل استثنائي من القادة وهزموا الاستعمار، وأوجدوا أكبر ديمقراطية في العالم. كما بنوا من التنوع الهندي المدهش الوحدة الوطنية. واليوم، فإن أكثر من مليار مواطن من جماعات دينية وعرقية ولغوية وثقافية مختلفة متحدون بانسجام في وطن واحد يحتفلون معا بحس وطني عميق. إن السمة الأساسية للاحتفال اليوم هي العزيمة الجماعية للشعب الهندي للمساهمة في الاستقرار والتقدم العالمي عن طريق الرقي بالهند لآفاق أعلى من العدالة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية والتمكين السياسي.

 

رحلة الهند بعد الاستقلال

في مرحلة ما بعد الاستقلال، قررت الهند أن تكون المجتمع الشامل، وأن تطور المؤسسات السياسية الناضجة والنهوض كقوة اقتصادية. وأدركت الأمة مسؤوليتها لكي تنجح من أجل ذاتها ومن أجل النضالات التحررية الأخرى في العالم التي كانت تتطلع نحو بآمال كبيرة، ولو فشلت الهند لحدثت هزة كبيرة في النضال ضد الاستعمار في جميع أنحاء العالم. وقادت هذه السياسات الهند باستمرار على طريق التقدم وتبرز الهند اليوم كقوة عالمية، وكقوة عالمية رائدة في مجال العلوم والتكنولوجيا والفضاء وبحوث المحيطات، الخ، كما أن الاقتصاد الهندي ينمو باستمرار بمعدل يزيد على 7.5٪ ما يشكل عملية صناعة فرص اقتصادية كبيرة للجميع، ويشكل الطلاب ورجال الأعمال الهنود المساهم الرئيسي في الثقافة العالمية للابتكار.

إن هذا الإنجاز غير المسبوق هو ثمرة الجهود المميزة لقيادة الهند منذ البداية. وطبقا لحكمة غاندي القائلة "من أجل أن تكون الحرية دائمة وحقيقية ولتمتد إلى آخر رجل يجب أن تكون ممأسسة" فجاء دستور الهند، الذي اعتمد في 26 كانون الثاني 1950 وهو ما يعرف بيوم الجمهورية الهندية الذي يحتفل به بالمستوى نفسه من الفرحة والفخر كيوم الاستقلال. إن دستور الهند يجسد روحها، وكل سياسات وأعمال الحكومات الهندية تستمد من الكلمات التالية:

"نحن، شعب الهند، عزمنا على أن نشكل الهند كجمهورية ديمقراطية اشتراكية علمانية ذات سيادة تضمن لجميع مواطنيها:

•        العدالة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية

•        حرية الفكر والتعبير والاعتقاد والإيمان والعبادة

•        دعم المساواة في الوضع والفرص

•        الكرامة الإنسانية والأخوة ضمانا لكرامة الفرد ووحدة ورفعة الأمة

 

الهند من أجل عالم عادل ونزيه تسوده المساواة

بعد الاستقلال في عام 1947، ساهمت الهند بشكل كبير في جعل العالم أكثر عدلا، خاصة للبلدان الأضعف والمتأخرة والنامية. كما وعزمت الهند أيضا على دعم النضال من أجل الحرية في الدول الأخرى المحتلة بما في ذلك فلسطين. إن النضال الهندي من أجل الحرية قدم للنضالات التحررية في العالم مفاهيم ومنهجية العمل السياسي ضد الاستعمار والعنصرية، ومن هذه المفاهيم الأهيمسا (اللاعنف)، وسواراج (الحكم الذاتي) والساتياجراها (الإصرار على الحقيقة). إن هذه المفاهيم حطمت التفوق الأخلاقي والحضاري الذي ارتدي زورا من قبل المحتلين والعنصريين. وحصلت المجتمعات المضطهدة على الثقة التي طال انتظارها وترسخ التكافؤ الأخلاقي والحضاري.

لقد كانت الهند مهندسة حركة عدم الانحياز التي أنقذت العديد من البلدان من أن تصبح أتباع لمعسكر أو الدخول في الثنائية الخطيرة لسياسة الحرب الباردة. ويرى بعض الباحثين أن نجاح حركة عدم الانحياز أوقف الحشد نحو حرب عالمية ثالثة خلال فترة الحرب الباردة. كما قدمت حركة عدم الانحياز الدعم القوي لقضية فلسطين.

إن الهند اليوم تحتل مكانة متقدمة في طليعة الأنشطة التي تهدف إلى مواجهة التحديات الراهنة التي تواجه العالم. فإذا تحدثنا عن الديمقراطية والتنمية والقضاء على الفقر وتغير المناخ والإرهاب والقرصنة ونزع السلاح وحقوق الإنسان وبناء وحفظ السلام، سنجد الهند مساهما رئيسيا في الروح الحقيقية للتعددية المستنيرة.

وإيمانا منها بأن التقدم الحقيقي نحو عالم عادل ومنصف يتسم بالمساواة يعتمد على إصلاح المؤسسات المتعددة الأطراف وأهمها إصلاح مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، فإن الهند اتخذت موقفا قياديا في الضغط من أجل إصلاح الأمم المتحدة لجعلها أكثر استجابة وفعالية تجاه التحديات العالمية ولتعكس بشكل أفضل الحقائق الجغرافية السياسية المعاصرة. وتركزت جهود الهند على السعي لزيادة الدول الدائمة العضوية وغير الدائمة العضوية في مجلس الأمن. إن إصلاح مجلس الأمن الدولي استحقاق تأخر كثيرا ولا يزال المجلس بوضعه الحالي يعكس البنية الجيوسياسية لحقبة الحرب العالمية الثانية. ووسع المجلس مرة واحدة فقط في عام 1963 لإضافة أربعة أعضاء غير دائمين، ولكن منذ ذلك الحين ازداد عدد أعضاء الأمم المتحدة من 113 إلى193 دون أي تغيير في تركيبة مجلس الأمن الدولي، فلا يوجد أي عضو دائم من أفريقيا على الرغم من أن 75٪ من أعمال مجلس الامن تركز على أفريقيا. إن الطابع غير التمثيلي يعرقل مجلس الأمن الدولي في الاستجابة بفعالية لحالات النزاع الدولي وكذلك يعيق التقدم الحقيقي نحو الحل الفعال للشعوب القابعة تحت الاحتلال مثل الفلسطينيين.

 

الهند والتعاون الجنوبي- الجنوبي

إن التعاون الجنوبي- الجنوبي هو جانب مهم من السياسة الخارجية للهند. والفلسفة الكامنة لدعم الهند للتعاون بين بلدان الجنوب هي الاعتقاد الهندي الفاسودهايفا كوتومباكام (إن العالم أسرة واحدة). واعتبارا أن جوهر أي عائلة في أي مكان في العالم هو التقاسم والرعاية غير المشروطة، فقد تقدمت الهند وقدمت مشاركاتها، فالهند تتبع النهج التضامني غير المشروط والمبني على احترام سيادة الدول الشريكة. وتؤمن الهند بأن التعاون الجنوبي- الجنوبي ذو فعالية وعليه أن ينجح في إنقاذ البلدان النامية من النهج التقليدي الذي يرسخ السمات السلبية لعلاقات المانح بالمتلقي.

إن فلسطين شريكة مهمة في جهود الهند للتعاون الجنوبي- الجنوبي، ولبت الهند ذلك من خلال عملية إعادة الإعمار في غزة أو الحاجة للمدارس أو الكليات أو المرافق الرياضية أو المستشفيات، أومراكز تدريب تكنولوجيا المعلومات المتقدمة. وتخرج أكثر من اثني عشر ألف فلسطيني من الجامعات الهندية وهم اليوم يشكلون العمود الفقري لنظام التعليم في فلسطين. ولقد استفاد أكثر من ثمانيمئة فلسطيني من الدورات التدريبية في الهند ضمن إطار برنامج الـ ITEC. وواضعة نصب عينيها الضرورة في مواكبة العصر فقد عرضت الهند بناء المعهد الدبلوماسي الفلسطيني وإنشاء مراكز للتدريب المهني في فلسطين، وأيضا تطوير مجمع التقنية للابتكار في مجال التكنولوجيا المتقدمة في فلسطين.

 

الهند تجاه القضية الفلسطينية

إن تاريخ الهند حافل بالدعم القوي والثابت تجاه القضية الفلسطينية وهو سبق استقلال الهند. ولقد رفعت الهند صوتها قويا في دعم فلسطين حتى حين كانت هي تحت الاحتلال. وبعد الاستقلال في عام 1947، اتبعت الهند سياسة تجاه فلسطين ترتكز على الأبعاد الأساسية التالية:

•        التضامن مع الشعب الفلسطيني

•        الدعم القضية الفلسطينية

•        الشراكة مع فلسطين في جهود بناء القدرات

وفي هذا الشهر، أكمل خدمتي لسنتين ممثلا للهند في فلسطين. وخلال فترة وجودي هنا عملت على تعزيز نهج يرتكز على المحاور الثلاثة في علاقاتنا الثنائية كدعمنا المستمر لقضية فلسطين من خلال تفاعل سياسي أقرب وتعميق الشراكة الاقتصادية والتعاون الأكاديمي، والتواصل الثقافي الأوسع، والتواصل ما بين الشعبين. ولقد حصلت على الدعم الهائل في هذه المساعي من قبل الحكومتين الهندية والفلسطينية، كما زار فلسطين كل من فخامة رئيس الجمهورية الهندية ومعالي وزيرة خارجية الهند حيث جددا دعوة الهند للتحرك السريع نحو إقامة دولة فلسطين ذات السيادة والمستقلة والقابلة للحياة والموحدة مع القدس الشرقية عاصمة لها. إن زيارتيهما عززتا وأعادتا تأكيد الرسالة بأن الهند كانت وستبقى صديقة فلسطين.

* ممثل جمهورية الهند لدى فلسطين