عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 14 آب 2016

لن تنالوا ذهبا ولا فضة..أنتم مهزومون من الداخل!

د. مراد شاهين *

تجري في البرازيل دورة الألعاب الأولمبية الواحدة والثلاثين، وافتتحت رسميا في عاصمة البلاد، ريو دي جانيرو مطلع الشهر الجاري، باحتفالية تخللتها ألعاب نارية وعروض واضاءات طغى عليها أشكال والوان ترمز الى السلام (الأزرق) والعناية بالبيئة (الأخضر). 
بالفعل المهرجان الافتتاحي عبر عن عظمة وعراقة الحدث. المشهد كان خلاّباً للأنظار وللأذهان، حيث يقدر عدد من شاهدوا الحفل بثلاثة مليارات شخص من جميع ارجاء العالم. نعم، لقد فازت البرازيل مرتين قبل ان يبدأ الحدث: الاولى عندما فازت بالترشح لاستضافة الأولمبياد على ارضها، والثانية عندما استطاعت ان تجعل يوم بدء المنافسات الأولمبية والتجهيزات التي قامت بها على مدى الأربع سنوات الماضية محط إعجاب العالم.
عادة تحرص الدول التي يتم اختيارها لاحتضان الألعاب الأولمبية على انجاح هذا الحدث وهذا يترتب عليه مسؤوليات ضخمة مثل توفير أفضل الملاعب والوسائل لإجراء المنافسات، افضل اماكن الإقامة المتنافسون والضيوف، والمهمة الأكثر حساسية وتعقيدا توفير الأمن والحماية للجميع. 
ويذكر هنا ان البرازيل اعدت طواقم امنية بلغ تعداد أفرادها حسب وسائل الأنباء أكثر من خمسة وثمانين الفا. والحاجة الى هذا العدد الضخم من القوات الأمن ترجع لأسباب من بينها الأوضاع السياسية الداخلية غير المستقرة في البرازيل وعلى أثر الخلافات الأخيرة على منصب رئاسة الدولة.
خلال فترة الألعاب الأولمبية ستحاول البرازيل تسجيل النجاح وتلبية التوقعات في هذه الفعالية، وتوظيفها لأهداف نفعية مادية صِرفة وأخرى معنوية. بالنسبة للقيمة المادية للبرازيل قد يصعب قياسها الآن ولكن يمكن أخذ بعض المؤشرات من تجارب لدول سبقتها مثل انجلترا التي استضافت اولمبياد 2012. الأرقام تقول، حسب الجهات التي اشرفت على تلك الدورة، أن لندن انفقت بين 9 - 12 مليار دولار لإنجاح الفعالية. وتقدر العائدات لبريطانيا 41 مليار دولار بين الأعوام 2012 وحتى 2020 من خلال تعزيز مكانتها كوجهة سياحية او للاستثمار فيها، مثلاً. 
وأما عن الفوائد المعنوية فهي ليست أقل مقدارا. فالدول توظف الحدث ليكون بمثابة حملة علاقات عامة لها على نطاق كوني، تُظهر فيها الزوايا المشرقة وتعبر عن قوة شعب وحكومة وقدرات الدولة المستضيفة؛ أي أن الهدف ترويج الصورة الحضارية المتقدمة للدولة ولشعبها.
ولكن الذي يصنع الحدث هو ليس الدولة المستضيفة فقط وانما الفِرَق الرياضية المشاركة التي تذهب بهدف صناعة المجد على صعيد شخصي كما على صعيد الأمة التي يمثلونها في الأولمبياد. ففي اليوم الخامس من بدء المنافسات بدأت تتضح ملامح من هم صانعو المجد الرياضي من خلال حصادهم للميداليات الذهبية والفضية والبرونزية. في ذلك اليوم حصدت الولايات المتحدة الأميركية ذات الــ 324 مليون نسمة على 24 ميدالية (8 ذهبية، 8 فضية و8 برونزية). ولم يكن هذا الخبر هو ما استوقفني: الخبر الذي انشدّ له انتباهي أن المحللين الرياضيين المتواجدين في ريو دي جانيرو ليوافونا بالأخبار تنخفض حدة النبرة الحماسية والرياضية في حناجرهم عند البدء بنقل أخبار الرياضيين العرب وكأنهم يرجون العزاء والمواساة حينما يقولون ان الفِرق العربية خسرت، لم تتأهل أو فاز فلان ليس تحت علم بلده وانما تحت علم الأولمبياد. السبب واضح أو يكاد يكون: إنه، مع الأسف، الشعور العميق بكاملية الهزيمة العربية.
أين الخلل؟ حسب احصائيات 2015 الصادرة عن الجهات المختصة التابعة للجامعة العربية، وصل عدد سكان العالم العربي 367 مليون نسمة بنسبة أكثر من 70% من الشباب الذين تتراوح اعمارهم بين 14-25 سنة – مستودع ضخم من الطاقات الكامنة، الرياضية وغيرها. لكن هذه الفئة العمرية التي عادة ما تعول عليها الأمم لبناء مستقبلها تعاني من الفقر والجهل، تعاني من غياب الرعاية التوجيه، تعاني من غياب الأمن والإستقرار، تعاني من القهر السياسي والاستبداد الديني والإجتماعي. الشعوب العربية مهزومة عسكريا ومهزومة سياسا؛ انها مهزومة حضاريا في اوطانها. المهزومون داخليا ليس لهم فرصة في الانتصار لا في منافسات رياضية عالمية ولا في اقتصاد ولا في علوم العصر وتكنولوجياته.
فما العمل؟ يجب ان يصبح لدينا هدف كأن نريد ان يقترن العربي صورة وسلوكاً بالأحداث العظيمة والإسهامات الإيجابية في نوعية حياة ورخاء الأمم، وليس ان يقترن العربي بالعنف والجهل. ولكن لا يتحقق التغيير المطلوب "بضربة عصا سحرية". يجب استحضار الإرادة الفعلية للبدء بالعمل الجاد في إطار تشاركي تصالحي وبنّاء بين كل النخب لتهيئة وسائل الخروج من حالة الغيبوبة السياسية والإجتماعية والثقافية التي ترزح تحت وطأتها الشعوب العربية. لا يجوز التنازل عن مبدأ اننا نستطيع وما نزال قادرون على التفاؤل وضخ الأمل في النفوس. إن ما لا بد من التنازل عنه هو الشعارات التي توهمنا بأننا بأحسن حال. علينا إذا ما أردنا التغيير ان نعترف أولا اننا مثقلون بأزمات مركبة في تعقيداتها وأن الإستسلام تحت ثقلها ليست طريقة للوصول الى المراتب العليا بين شعوب العالم وإحراز ميداليات الذهب والفضة. فما لم يحدث التغيير لن ننال ذهبا ولا فضة وسنظل مهزومين.
----------
* دائرة العلوم السياسية – جامعة بيرزيت