نحو زيادة الاهتمام بالبحث العلمي في العالم العربي كجزء من الاقتصاد المعرفي
د. إيهاب عمرو
تسارعت وتيرة تطوير البحث العلمي خلال العقدين الأخيرين في الدول المتقدمة، خصوصاً بعد ظهور العولمة كظاهرة اقتصادية، وما تبع ذلك من تنامي دور تكنولوجيا المعلومات في العصر الحديث. ولعل المتتبع لسياق التطورات بخصوص هذا الأمر يلاحظ أن الدول المتقدمة قد أولت إهتماماً منقطع النظير بالبحث العلمي وعملت على تطويره من خلال إنشاء المعاهد والمراكز التي تعنى بالأبحاث العلمية في مختلف العلوم، خصوصاً الإنسانية والإجتماعية منها، أو من خلال العمل على تطوير المعاهد والمراكز التي كانت قائمة ورفدها بكافة الإمكانيات البشرية والمادية اللازمة.
ويحضرني في هذا السياق النموذج الألماني، والذي يعد من النماذج المميزة على مستوى العالم كون أن الإهتمام بالبحث العلمي قد تطور بشكل ملحوظ في تلك الدولة، بعدما أدركت مبكراً أن الإهتمام بالبحث العلمي إنما يساهم في تنمية المجتمع في مختلف المجالات، إضافة إلى أنه يدر دخلاً إضافياً لخزينة الدولة كونه يشكل جزءاً لا يتجزأ من الاقتصاد المعرفي.
ولعل المراقب لحالة البحث العلمي في العالم العربي يلاحظ أن البحث العلمي يلفظ أنفاسه الأخيرة، بعدما تم إدخاله إلى غرفة العناية الفائقة. حيث إن الدول العربية -بإستثناء بعض دول الخليج العربي- لا تولي إهتماماً كافياً بالبحث العلمي، بل وتعتبره أمراً ثانوياً على الرغم من أن العرب ساهموا في إغناء الحضارة الإنسانية ببحوثهم واكتشافاتهم وأفكارهم عبر العصور، خصوصاً أنهم ينتمون إلى أمة العلم والقلم والقراءة.
إننا أحوج ما نكون في العالم العربي إلى زيادة الإهتمام بالبحث العلمي وتطويره. غير أن البحث العلمي الذي نقصده هنا إنما يتعلق بالبحوث العلمية المتضمنة لأفكار الباحث الأصلية، والتي يتم نشرها وفقاً للأصول والتوثيقات المتبعة في نشر الأبحاث العلمية المحكمة. حيث إن الأبحاث المسروقة أو المزورة إنما تؤدي إلى نتائج عكسية وكارثية، كما حدث مع الجزائر مثلاً حيث أدت الأبحاث العلمية المزورة، خصوصاً ما تعلق برسائل الماجستير والدكتوراه، إلى تضرر مكانة الجزائر من حيث التصنيف الدولي للجامعات، إذ لم يتضمن تصنيف شنغهاي الدولي للجامعات إسم أي جامعة جزائرية ضمن أفضل 500 جامعة على المستوى الدولي حتى بداية العام 2016، وفقاً لتقرير أعدته جريدة "العربي الجديد" بتاريخ 7 أذار 2016، بسبب تنامي حالات السرقة العلمية من جانب، وضعف نشر الأبحاث العلمية المحكمة في مجلات دولية متخصصة من جانب آخر. وأوردت المعطيات غير الرسمية من خلال إحصاء موثق وفقاً لذات التقرير تسجيل 22 حالة سرقة علمية منذ كانون ثاني 2011 ولغاية كانون ثاني 2016 في مختلف جامعات الجزائر. قد بلغت حالات سرقة رسائل الدكتوراه 16 حالة، في حين بلغت حالات سرقة رسائل الماجستير 5 حالات، وحالة واحدة في في بحث علمي.
في هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى رواج ما يعرف بإسم "تجارة الأبحاث" في معظم الدول العربية، ومن ضمنها فلسطين، حيث أخذت تلك التجارة في الرواج خلال العقد الأخير دون حسيب أو رقيب، ودون رادع خارجي أو وازع داخلي، وذلك بواسطة بعض مراكز الخدمات الطلابية. ومؤدى ذلك قيام بعض تلك المراكز بإعداد الأبحاث نيابة عن الطلاب والطالبات، ما يشمل أيضاً رسائل تتعلق بإستكمال متطلبات درجة الماجستير في حالات معينة، وهو ما يشكل ظاهرة خطيرة تستدعي إيجاد السبل الكفيلة بمعالجتها ووأدها في مهدها نظراً لآثارها السلبية على المجتمع عموماً، والقطاع الأكاديمي خصوصا. إن إنتشار ظاهرة "الأبحاث المسروقة" في العالم العربي إنما يشير للأسف إلى انحدار في مستوى التفكير الفردي، خصوصاً في ظل سهولة الحصول على المعلومات بعد ظهور الإنترنت، وصعوبة التأكد من مصادرها الأولية أو الثانوية في بعض الأحيان. إضافة إلى ذلك، فإن تلك الظاهرة إن دلت على شيء فإنها تدل على ضعف المنطلقات العلمية والأكاديمية لدى الدارسين والباحثين على السواء ممن يقومون بتلك السرقات العلمية، ورغبتهم الجامحة في الحصول على الدرجة العلمية حتى لو كانت الوسيلة المستخدمة غير أخلاقية وغير قانونية، كون أنه يترتب على مثل هذه السرقات العلمية مخالفة قانونية وفقاً للقوانين النافذة في مختلف الدول العربية، كونها تشكل مساساً بحقوق الملكية الفكرية للآخرين. إضافة إلى أن السرقة العلمية تؤدي بالضرورة إلى إحداث إنقلاب في المفاهيم التي يجب أن تسود في المجتمع المثالي، وإحلال المفاهيم التي يجب أن لا تسود وتغليب المصلحة، حتى وإن كانت غير أخلاقية، على المبدأ الأخلاقي مع ماينطوي عليه ذلك من إنكار مجهودات الآخرين ونسبتها لغيرهم دون وجه حق، أو جهد محق.
إن وضع حد لتلك الظاهرة الخطيرة يتطلب تطبيق القوانين سارية المفعول بحزم ضد من تسول له نفسه القيام بمثل تلك السرقات العلمية. ويتطلب كذلك العمل على إصدار قوانين جديدة تعنى بتنظيم البحث العلمي على إختلاف أنواعه ودرجاته والتي يجب أن تشمل، من ضمن أحكام أخرى، النص على عقوبات تأديبية أو جزائية ضد المخالفين لأحكامها.
كما يتوجب على الجامعات القيام بدورها المنوط بها في متابعة الأبحاث المقدمة من قبل الطلاب والطالبات لنيل الدرجات العلمية، خصوصاً الماجستير والدكتوراه، بكافة الوسائل المتاحة وذلك من أجل ضمان الأصول الواجب مراعاتها في نشر الأبحاث العلمية. وكذلك متابعة الأبحاث المقدمة من قبل الكادر الأكاديمي لنيل الترقيات من أجل ضمان عدم وجود أية سرقات علمية سواء من أبحاث طلاب وطالبات أو من أبحاث أكاديميين آخرين محليين، إقليميين أو عالميين.
إن المطلوب في الوقت الراهن، إضافة إلى ما سبق ذكره، هو نهضة شاملة على مستوى الأبحاث العلمية والدراسات الفكرية، مع ما يستلزمه ذلك من ضرورة الإهتمام بتطوير البحث العلمي على مستوى المدرسة ابتداء. وكذلك ضرورة العمل على إنشاء مراكز أبحاث علمية في الجامعات في مختلف الحقول وتوفير مصادر التمويل اللازمة لها على المستويين الرسمي والخاص، وعدم الإكتفاء بالقليل الموجود أو الإنكفاء وراء ما يقوم الآخرين في الغرب المتقدم بعمله على أهميته، إذ لا بد من رسم سياسات حديثة وصوغ مفاهيم جديدة للبحث العلمي في العالم العربي تقوم على إستلهام التجارب السابقة، خصوصاً أن التاريخ قد أثبت بما لا يدع مجالاً للشك الدور الريادي الذي قام به العرب في مجال البحوث العلمية عبر العصور وفي مختلف الحقول، كما أسلفنا.
أخيراً، لا بد من التأكيد هنا على أن الإهتمام بالبحث العلمي سوف يساهم دون شك في دفع عجلة الإقتصاد قدماً إلى الأمام في الدول العربية، وسوف يساهم كذلك في خلق حالة وعي مجتمعي بخصوص مختلف القضايا، خصوصاً المعاصرة منها، عبر مواكبة التطورات المتسارعة والمتلاحقة في مختلف العلوم، ما يمكننا من اللحاق بركب التطور الإنساني والحضاري قبل فوات الأوان.