عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 07 آب 2016

بيت الحكمة - جامعة مقابل تعليم عالٍ

منير فاشه

نستعمل كلمة جامعة وكأنها رديف للتعليم العالي. "جامعة" كلمة دافئة تشير إلى تجميع مكونات ومصادر تكوّن معا بيئة غنية حيّة متنوعة متناغمة تكنفها روح "ضيافة" على الصعيد الفكري المعرفي، وفيها صدق وحرية حيث يسير كل شخص وفق ما يبحث عنه وما هو شغوف به ويتأمل ويجهد ويجتهد في توليف معانٍ وفهمٍ تتوافق مع الحكمة. "جامعة" تشير إلى مكان حيوي يصقل فيه الشخص فكره ومعانيه وفهمه ورؤيته وإدراكه وتعامله، بيئة يتعلم فيها دون تدريس وتقييم عمودي. الجامعة خالية من نصوصٍ لا سياق لها ولا يرافقها فِعْل، نصوص لا تجسّد بيانا يبيّن ما نضج داخل الشخص. "التعليم العالي"، في المقابل، تعبيرٌ يعكس فوقية مريضة وتراتبية ممزقة؛ مكانٌ لا يقول فيه الشخص ما يعنيه ولا يعني ما يقوله. يتكون من نصوص لا سياق لها ولا ترتبط بفعل بل بتجريدات لا تستمد معانيها من الحياة، وبمهارات آلية وتقنية في أفضل الأحوال. الجامعة بالمعنى المذكور أعلاه غائبة في العالم المعاصر، واحتَلَّت محلها مؤسسات تعليمٍ عالٍ. أقرب جو عشته إلى "روح جامعة" كانت بيرزيت خلال عقد السبعينيات من القرن الماضي، التي في نهاية ذلك العقد غطست في جو التنافس حول رموز وأمور ثانوية مما أفقدها ما كان بإمكانه أن يشكل رؤيا بديلة لمؤسسات التعليم العالي السائدة حاليا التي هي في أفضل الأحوال نسخا عن أصلٍ تحكمه السيطرة والفوز، أي يخلق عبيدا يفتخرون بعبوديتهم. أي نسخة مهما بلغت من الاتقان لا قيمة تُذْكَر لها بل تكون بمثابة ببغاء يعيد ما يقوله ويفعله آخرون.

الجامعة تنطلق من رؤيا بمعنى التعرف على الواقع، وعلى موقعنا ودورنا فيه، والقيم التي نتفق ألا نناقضها في أفعالنا. جزء مهم من الواقع هو التربة الثقافية التي نولّف فيها معانينا ومعرفتنا ونمارس قدرتنا البيولوجية في التعلم والفهم ورسم صورة ذهنية عن الواقع من حولنا. اللغة العربية والحضارة العربية يكونان الجزء الأهم من هذه التربة التي تغذينا جماليا وتعبيريا وفكريا وإدراكيا؛ لذا ضروري ألا تكون مادة تُدَرَّس عبر مساقات، بل أداة رئيسية كبيان يبين ما ينضج داخل الطالب في سعيه لفهم ما يجري ولتهذيب شخصيته. أما الجزء الآخر المهم في معرفة الواقع فيتعلق بالمكان بشتى مكوناته (الناس والزراعة والأطعمة وطرق العيش) مما يجعل الجغرافيا موضوعا أساسيا آخر لجميع الطلبة. جزء ثالث في فهم ما يجري حولنا، خاصة بالنسبة لما نشهده من خراب وتدمير حول العالم (ومنطقتنا بوجه خاص) هو قراءة ماركس لنفهم دور رأس المال في عملية التخريب عبر ديكتاتورية هادئة خفية. للتعرف على الواقع نحتاج إلى علوم ورياضيات تختلف في نواحٍ كثيرة عما هو سائد بالمدارس والجامعات؛ علوم ورياضيات تتوافق مع الحكمة والعافية ومعالجة ما نخربه في الطبيعة كبشر، وليس وفق إخضاع الطبيعة كما عبّر عنها ومارسها علماء القبيلة الأوروبية. نحتاج أيضا إلى البعد الروحي في الحياة المغيّب من المؤسسات المهيمنة، وهو بعدٌ مهم في تهذيب النفس والعلاقات والتعامل مع الطبيعة.

صعبٌ على مؤسسات التعليم العالي أن تهتم بمن يمكن أن نطلق عليهم "كنوز مجتمعية حضارية". "سلوى جرادات" عملت مع أطفال عبر أغانٍ وحكايات؛ تعشق الأطفال والغناء الشرقي. عملت مع أطفال ويافعين في مناطق يعيش فيها الناس في تماس يومي مع الطبيعة والحياة، كأهالي الأغوار. نضج لديها حسُّها بذاتها، ووعت ما تبحث عنه وما هي شغوفة بعمله. عندما وصلت إلى نقطة شعرت فيها أنها بحاجة إلى أن تجاور أشخاصا يعشقون الغناء الشرقي- العربي أخذت تبحث عن "جامعة" يمكن أن تساعدها في أن تحسن شغفها. زارت أمكنة عدة؛ تحدثت مع من فيها، ووجدت روحها منجذبة إلى الجامعة الأنطونية ببيروت. ربما تكون مدينة مثل حلب مكانا أنسب، لكن حلب هي ضحية همجية القبيلة الأورو- أميركية قبل مئة عام بموافقة تامة من عصبة الأمم وهيئة الأمم. أي، اجتمعت عدة مكونات ساهمت في تجسيد روح "جامعة" بالنسبة لسلوى. كانت محظوظة لأنها وجدت في تلك الجامعة المكوّن الأساسي الثالث في "الخلطة الرائعة": "نداء أبو مراد" معلم الموسيقى والغناء العربي- الشرقي، الذي تعكس قناعاته وسلوكه وتعامله معنى معلم، ويعكس الجو الذي يخلقه روح "بيت الحكمة". "نداء أبو مراد" يعمل وفق انتباه شديد للواقع من حوله، لا من منظور ضيق وأكاديمي بحت. الغناء الشرقي لا يتبع نوتات محددة؛ كل مغنٍ يحلّق ويتفاعل مع النغم الذي ينضج بداخله ويخرج "كرفسة فرس" (على حد تعبير الشاعر الإيراني حافظ الشيرازي). يتضمن هذا حرية وتنوعا وتناغما وتعلّما ينبع من عمق الشخص والمجتمع والحضارة. هذه الخلطة هي التي تكوّن معنى "جامعة" باللغة العربية.

من المؤسف والمؤلم عدم وجود دعم لأشخاص مثل سلوى إذ أن معظم الدعم يذهب إلى من سيصبحون موظفين/ عبيدا في بنوك وشركات، ويخدمون في نهاية الأمر التراكم الأسير لرأس المال. يذهب الدعم إلى معارف لها قيمة تبادلية لا نفعية. لا يوجد دعم لمن يسعد الأطفال ويغذي روحهم وعافيتهم ويعمق حكمتهم. بعثْتُ شخصيا (وهو عملٌ أقوم بمثله أول مرة في حياتي) إلى 10 مؤسسات فلسطينية تعمل في مجال الثقافة والعمل مع الأطفال واليافعين وتدعم طلبة للالتحاق بجامعات، واقترحت أن يدفع كل منهم مبلغا حتى يتوزع العبء. لم يهتم أحد. اتصلت مع أشخاص ووجدت تجاوبا من ثلاثة: عمر الخضري، زاهي خوري، محمود أبو هشهش. لم يغط الدعم المتطلبات. كانت سنة عصيبة، بما في ذلك صعوبة الحصول على إقامة، لكن انتهت السنة على خير.

عيب علينا أن يكون في دائرة الرياضيات 10 مدرسين على الأقل في كل جامعة (أغلبهم يدرّس مساقات لا لسبب سوى أنه درسها في جامعات الجماعة الأورو- أميركية) بينما لا توجد جامعة واحدة فيها مقعد واحد لعاشق لابن عربي أو لغيره من حكماء العرب (مثل مليحة مسلماني، كنز مجتمعي حضاري آخر). عيب على داعمي طلبة لدراسة ما يعمق تبعية البلد وعبودية الإنسان بينما لا يوجد دعم لشخص يعشق الأطفال والغناء العربي والحكمة. عيب على جامعاتنا التي فيها أقفاص من كل الأنواع تعلّب المعرفة ضمن مساقات وتصنيفات لا تنطلق من الحياة ولا علاقة لها بالحياة بينما لا يوجد فيها مجاورة واحدة تجسد روح الحكمة التي كانت موجودة في مجتمعاتنا حتى غزو القواعد المعرفية لبلاد الشام بدءا بجامعات الغربنة في بيروت.