عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 31 تموز 2016

دولة غزة.. مشروع أنور عشقي

مهند عبد الكريم العكلوك

أنور عشقي ضابط سعودي متقاعد، عمل سابقاً في سفارة المملكة بواشنطن، واشتُهر مؤخراً بلقاءاته مع مسؤولين إسرائيليين، كان آخرها ما كشفته وزارة الخارجية الإسرائيلية حول لقاءات أجراها بداية الأسبوع في القدس المحتلة، مع مسؤولين في جيش وحكومة الاحتلال. وبالانتشار الواسع لهذا الخبر، فقد حصل الرجل على ما تمناه من شهرة، فلطالما أراد عشقي أن يُسوّق على أنه مفتاح لعلاقات عربية محظورة مع دولة الاحتلال. وبالمناسبة، هذه الرواية لا تزعجه كثيراً، بل أعتقد أنها تُناسب طموحاته الشخصية.

ليس المقصود هنا التهجم على شخص أنور عشقي، بل هي شهادة أدلي بها بخصوص أحد المشاريع المشوّهة التي سعى عشقي لتسويقها وإقحامها بين سبل حل القضية الفلسطينية، بل قُل تصفيتها.

السنة الماضية، دعاني أنور عشقي لأكون المتحدث الرئيسي في ندوة بعنوان "آفاق مبادرة السلام العربية"، نظمها المركز الذي يديره عشقي في منزله بمدينة جدة. وهو بالمناسبة مركز متواضع جداً من حيث التأثير والتفكير، حسب تقييمي الشخصي. بعد انتهاء مداخلتي، أراد أنور عشقي التعقيب، وتفاجأت مثلما تفاجأ أغلب الحضور، بالطرح المُضلل الذي تحدث به، وشعرت حينها أنني قد وقعت في فخ.

قال عشقي في تعقيبه المُبيّت، أنه قد أعد دراسة مكتوبة لتطبيق مبادرة السلام العربية، وذلك من خلال إقامة دولة غزة؛ هذه الدولة حسب طرح الرجل، يجب أن تتمتع بدستور خاص، واتفاقيات وعلاقات جوار طبيعية مع "إسرائيل"، وحدود مفتوحة في كل الاتجاهات. أما بالنسبة للضفة الغربية، حسب مشروع عشقي، فيتم التفاوض مع الاحتلال بشأنها، ضمن إطار زمني مدته خمس سنوات. وفي حال نجاح المفاوضات وإقامة دولة الضفة الغربية، يجري ترتيب اتفاق بين الدولتين (غزة والضفة) لإقامة دولة فلسطين.

في ردّي، قلت أن هذا الطرح أسوء بكثير مما تطرحه دولة الاحتلال، وأن سياسة الرئيس أبو مازن والقيادة الفلسطينية ترفض دولة بحدود مؤقتة، وأن انفصال غزة عن الضفة بهذا الشكل يعني انفصالا أبديا، وتصفية للقضية الفلسطينية، وأن تجربتنا من خلال اتفاق أوسلو المرحلي، الذي كان يفترض أن ينتهي بعد خمس سنوات، أثبتت أن يوم "إسرائيل" بسنة. وقد استُفِزّ أنور عشقي من كلمة عفوية نطقت بها: "كان غيرك أشطر"، فإذا به يقول أنتم في فتح متصلبون أكثر من اللازم، ولا تريدون السلام، وهذا ما تضمنته الدراسة حيث يذكر فيها أن "الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي" يرغبان بالسلام على عكس قياداتيهما. قلت له أن لا أحد في فلسطين سيقبل هذا الطرح. وهنا كانت المفاجأة الثانية، حيث قال، والقول على ذمته، بأن مسؤول في مكتب اسماعيل هنية درس هذه الرؤية وعاد له بالموافقة وأن يسير بها على بركة الله. وأضاف عشقي أنه بقيت فقط موافقة فتح على الرؤية ليتم عرضها على "إسرائيل" كآلية لتطبيق مبادرة السلام العربية.

بعد ذلك، علمت أن أنور عشقي أرسل دراسته المذكورة إلى وزارة الخارجية السعودية بشكل غير رسمي، وتلقى عليها رداً غير رسمي أيضاً، يفيد بأن هذا الطرح مرفوض جملة وتفصيلاً، وأنه يتناقض مع المواقف السياسية للمملكة العربية السعودية. كما أنني أستطيع أن أزعم أن زيارة عشقي الأخيرة والتي قبلها، لم تكن بتكليف من حكومة المملكة العربية السعودية، وذلك ببساطة لأنه ليس الشخص المناسب لمثل هذا الدور، عدا عن قناعتي بركازة سياسة المملكة، وتاريخها الرافض لمثل هذه العلاقة، إلا بعد إقامة دولة فلسطين، حسب مبادرة السلام العربية، التي تتمسك بها السعودية كما طُرحت في قمة بيروت عام 2002.

في النهاية، أرجو أن لا يفهم أنور عشقي، أو غيره، بأن الدعوة التي وجهها الرئيس أبو مازن للعرب والمسلمين لزيارة القدس المحتلة، تسمح لهم بلقاء مسؤولين إسرائيليين في عاصمتنا المقدسة، حيث أن هذه الدعوة بُنيت على المبرر الأخلاقي القائل بأن زيارة السجين ليست تطبيعاً مع السجان. وكذلك أرجو ألا يكون أي مسؤول فلسطيني قد تطوع لترتيب لقاءات عشقي مع السجان وإن كانت دعوة عشقي قد تمت بالاتفاق مع إسحق مولخو مستشار رئيس الوزراء ولكنه كان يبحث دائماً عن جسر فلسطيني لهذه الزيارات.