بيت الحكمة- كلمات محرِّرة لعقولنا
منير فاشه
كان عنوان الحلقة السابقة "التحرر من التصنيفات الأكاديمية"، التي كما ذكرت يجد الإنسان المعاصر (خاصة المتعلم) نفسه سجينا لها بفكره وتعبيره وإدراكه وتصرفه. نحن كأكاديميين أسرى فكر، الذي هو أخطر من أسرى جسد. يبرز هنا سؤال: ما هي الكلمات التي يمكن أن تحررنا من "دوجما" التصنيفات الأكاديمية ومن إلهائها لنا بأمور ترتبط بالسيطرة والفوز والانغماس بنمط الاستهلاك في العيش؟ سأجمّع في هذه الحلقة كلمات ذكرتها بشكل مفرق في حلقات سابقة؛ أجمّعها هنا كأدوات أساسية في تحررنا وحمايتنا وشفائنا وتقوية مناعتنا الداخلية على الصعيد الشخصي والجمعي. ما يميّز هذه الكلمات أمران: العراقة إذ تنبع معانيها من الحياة والثقافة والحضارة؛ والحماية إذ تشكل "سلاحا" بأيدي الناس لمقاومة تخريب الحياة على أصعدة شتى. جدير بالذكر أن مَنْ لغته وفكره "موبوءان" بالتصنيفات الأكاديمية يصعب عليه أن يعي أهمية هذه الكلمات في عملية الشفاء والتحرر.
كلمة عريقة (ذكرتُها كثيرا) هي المجاورة؛ هي اللبنة المجتمعية الأساسية في التحرر والتعلم والعمل المجتمعي. أعود لأذكّر بأن المجاورة تتكوّن من مريدين ومرادين دون حاجة إلى تسجيل وترخيص ونظام داخلي وهرمية وميزانية، وحيث لا توجد سلطة داخلية ولا خارجية. كانت المجاورات عبر التاريخ "سلاح" الناس الرئيسي ضد الطغيان، كما جسّدت حقيقة أن الإنسان كائن اجتماعي، وليس فردا تقتصر علاقته بمؤسسات. كانت "السلاح" الرئيسي لدى السود في الولايات المتحدة لأكثر من قرنين حيث تلقائيا كوّنوا مجموعات في الكنائس والحارات والبيوت، التي شكل الغناء والموسيقى والرقص أهم مظاهرها. العائلة التي تلفها محبة وعلاقات حيّة مثال آخر لمجاورة أساسية في المجتمعات البشرية. كذلك، كانت المجاورات (لجان الأحياء) القوة الأساسية والمناعة الداخلية لنا كفلسطينيين خلال الانتفاضة الأولى. لم تكن لجان الأحياء منفصلة عن بعض بل متداخلة متفاعلة باستمرار دون علاقات سلطوية مركزية، مما أخاف إسرائيل وجعلها تحارب هذه اللجان بشراسة متناهية. جزء مهم من أية مجاورة هو التعرّف على المكان الذي يعيش فيه المتجاورون عن طريق التجوال والتفاعل مع شتى مكوناته. المجاورات و"التسونامي" البشري (كما حدث في ميدان التحرير وغيره) يشكلون جزءا أساسيا من أمل البشرية في مواجهة التهديدات التي تواجهها.
كلمة أخرى يمكن أن تحررنا من التصنيفات الأكاديمية وخرافات الجماعة الأورو- أميركية هي "يحسن" كما وردت في عبارة الإمام علي: "قيمة كل امرئ ما يحسنه"، فهي كلمة تجسد احتراما وكرامة ومساواة وتعددية، وبالتالي بإمكانها حمايتنا من التقييم العمودي الذي يمزق الإنسان والمجتمع ويمارس سياسة "فرّق تسد" على الصعيد الشخصي، بدءا بالصفّ التمهيدي.
أما الكلمة الثالثة المحرِّرة فهي "التحادُث" وجها لوجه التي تستعيد حقيقة الإنسان ككائن ناطق واجتماعي؛ كلمة طمستها كلمة "تواصل" الذي يتم عبر أجهزة إلكترونية. لا بديل للتحادث في جدل نسيج فكري روحي ثقافي في المجتمع. أرحّب بالتواصل إذا كان إضافة، أما إذا كان بديلا للتحادث، فضروري الحذر منه. من هنا تحتاج المجتمعات المعاصرة إلى حملات تشجّع الشفاهة وليس فقط القراءة؛ تشجّع النطق وليس المشاهدة.
كلمات أخرى عريقة وشافية هي "تأمُّل واجتهاد" اللتان تشكلان أهم كلمتين لحكم الذات وحماية الناس والمجتمعات من سطوة وطغيان التصنيفات الأكاديمية والتحرر منها. ولعل أجمل ما قيل في حضارتنا في هذا المضمار هو ما شدد عليه الجاحظ من أن الحياة والمعرفة والتعلم، جميعها في جوهرها بيانا وتبيينا. التأمُّل والاجتهاد مغيبان كليا من التعليم الرسمي والأكاديمي.
"المثنى" كلمة أخرى عريقة باللغة العربية، وتمثل علاقة مع "أنت" وليس مع "آخر مجرد"؛ علاقة تعكس "أنت موجود فأنا موجود" وليس "أنا أفكر فأنا موجود". "المثنى" كما سبق وذكرت في حلقات سابقة غير موجودة في أي لغة أوروبية.
كلمة أخرى عريقة في لغتنا هي "أهالي" التي استُبْدِلَت حديثا بكلمة "مواطنين". "أهالي" ترتبط بمفهوم للمجتمع يشمل ثلاثة مكوّنات: تربة أرضية يتغذى منها جسميا، وتربة ثقافية يتغذى منها فكريا وجماليا وروحيا، وتربة اجتماعية- اقتصادية تجدل نسيجه يوميا. العلاقة الأساسية في مجتمع الأهالي هي بين الناس ومع البيئة حولهم. في المقابل، مجتمع المواطنين مكوّن من قطاع مدني وقطاع حكومي وقطاع خاص، مكونات فاقدة للحياة حيث العلاقة الأساسية هي بين الشخص ومؤسسات رسمية.
تمثّل هذه الكلمات السبعة– إلى جانب العافية والحكمة كقيم نهتدي بها في أفعالنا– كنزا تعبيريا اجتماعيا فكريا يغذّي مناعتنا الداخلية ويحمينا من دوجما التصنيفات الأكاديمية وغيرها من أدوات احتلال العقول والسيطرة عليها.
آن الأوان أن تستعيد جامعاتنا كرامتها العربية وتنتزع نفسها من الاحتذاء بحذاء غيرهم وتستعيد الحكمة كقيمة جوهرية تفكر وتعمل وفقها في سعيها لتوليف معرفة، وتستعيد المجاورة كوسيط للتعلُّم (على الأقل، كأحد الوسائط)، وتستعيد ما يحسنه الشخص كمصدر قيمته، وتستعيد التأمل والاجتهاد كأساس في تكوين معنى وفهم. يعني هذا ضرورة توقُّف الجامعات عن التعامل مع ذاتها ومع الطلبة والمعرفة كسلع. إنهاء حالة الاحتقار المتمثلة بالتنافس حول أمور رمزية استهلاكية أمرٌ ضروري لاستعادة الجامعات لكرامتها واستعادتنا لعافيتنا. هل ستجرؤ جامعة لتحرير نفسها من تصنيفات أكاديمية واستعادة العافية في الفكر والقول والفعل؟ آمل ذلك، فهو ليس فقط أمرا جميلا بل ضروريا في صراعنا من أجل البقاء.