عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 30 تموز 2016

نبض الحياة - تموز وموت المناضلين

عمر حلمي الغول

قبل ايام قليلة ودعت القيادة الفلسطينية المناضل تيسير قبعة، نائب رئيس المجلس الوطني، والعضو القيادي في الجبهة الشعبية. وأحيت ذكرى رحيل الشهداء غسان كنفاني، الأديب والمفكر، عضو المكتب السياسي للشعبية، وفنان الكاريكاتير المبدع ناجي العلي، وممدوح صيدم، عضو اللجنة المركزية لحركة فتح.. اسماء وعنواين كبيرة وعديدة اختطفها شهر تموز، واختطف شهر الصيف الحراق اثنين من المناضلين، الاول الدكتور تيسير عاروري، عضو المكتب السياسي السابق لحزب الشعب، والثاني جرار نعمان حسين عرفات القدوة، عضو المجلس الثوري السابق لحركة فتح، والوزير ورئيس هيئة الرقابة الادارية في السلطة الوطنية، اللذين توفاهما الاجل يوم الأربعاء الماضي الموافق 27 تموز الحالي. لكل منهما موقعه ومناقبيته ودوره النضالي.

الرفيق الشهيد تيسير عاروري ابن برهام القرية الجميلة والمحاذية لمدينة بيرزيت، والتابعة لمحافظة رام الله والبيرة، انطلق منها ليتلمس النضال الوطني في صفوف الحزب الشيوعي الاردني ثم الفلسطيني، ويكون لتجاور قريتي برهام والجيب، قرية القائد الشيوعي الراحل، سليمان النجاب، إسهام كبير في التحاقه بالحزب الشيوعي، الذي تصلب عوده الكفاحي والفكري السياسي من خلاله. وهو ما اثار إستياء وغضب سلطات الاحتلال، فاعتقلته مرات عدة ولفترات مختلفة إلى ان ابعدته عام 1988، لأنها اعتبرته احد قادة الانتفاضة الكبرى (ثورة كانون 1987/1993)، وافترضت انها باعتقاله واعتقال اقرانه من مناضلي فصائل منظمة التحرير، تستطيع وقف جذوة الانتفاضة.

لكن الوقائع العنيدة كشفت إفلاس قيادة الأجهزة الامنية الاسرائيلية آنذاك والآن وفي كل حين، لأنها لن تستطيع سبر اغوار الشعب العربي الفلسطيني، ولا الوقوف على نبض خياراته الوطنية. وكان العاروري مناضلا صلبا، رغم ادبه الجم وتواضعه الكبير. حمل راية الفقراء بقدر ما حمل راية الوطن والوطنية الفلسطينية. ولم يساوم على حب الوطن. وكافح مع جهات الاختصاص ضد قرار الابعاد الاجرامي، حتى تمكن من العودة للوطن قبل عودة السلطة.

اتيح لي مرات كثيرة اللقاء مع الرفيق تيسير بعد إقامة السلطة الوطنية في ورش العمل والندوات واللقاءات ذات الصلة بالبحث عن الخروج من ازمة العمل الوطني، مما كرس لدي القناعة بأن ابو فارس، قائد متميز ومعطاء، لا يبحث عن مطامع شخصية، ولم يكن يعنيه اللقب والمنصب، بقدر ما كان يعنيه الهم الوطني العام، رغم انه كان محل تقدير واحترام الكل الوطني. برحيل تيسير العاروري، فقد الحزب والحركة الوطنية احد قاماتها وأعمدتها العالية والصادقة.

اما الراحل الثاني ابو مريد، فمسيرته مختلفة، أسوة بأبناء جيله بعد النكبة 1948، مع انه ولد في مدينة خان يونس المناضلة عام 1925، التي كانت إحدى المدن التي لجأ لها المشرودون من ديارهم، تلك المدينة التي، كانت وما زالت عنوان الصمود والبطولة والتحدي لجيش الاحتلال الاسرائيلي في كل الحروب والمعارك، والتي شكلت احد ركائز قطاع غزة، الذي حمل راية الدفاع عن الهوية الوطنية الفلسطينية المستباحة من الغرب الاستعماري وإسرائيل، التي قامت على انقاض نكبة الشعب الفلسطيني وبعض الاشقاء. شق جرار القدوة طريق البحث عن لقمة العيش في دول الخليج العربي، واستقر به المقام في المملكة السعودية، وتدرج في العمل المصرفي حتى احتل موقعا مهما في البنك الاميركي "سيتي بنك"، هو النائب الاول لرئيس البنك.

غير ان وجوده في الخليج لم يلغ من حسابه دوره النضالي، وكان ملتحقا بحركة فتح، واحد كوادرها البارزة، وانتخب عضوا في المجلس الثوري. وبعد عودة السلطة، تم تكليفه برئاسة هيئة الرقابة الادارية بدرجة وزير. وقام وفق ما اعرفه بدور مميز. ولم يداهن او يجامل احداً من القيادات. ولعل التقرير الذي اصدره في النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي عن مظاهر الفساد في اوساط القيادات والمؤسسات الفلسطينية خير دليل على نزاهته وشفافيته. وللعلم كان يعمل دون راتب من السلطة الوطنية. وحاول جاهدا ان يعزز دور المؤسسة في اوساط الشعب بالقدر المتاح له. ونتيجة لأسباب واعتبارات مختلفة ترك مهمته وعاد للاقامة في السعودية، إلى أن غيبه الموت. رحم الله جرار القدوة، عضو المجلس الوطني، ومحافظ فلسطين لدى البنك الاسلامي للتنمية عن عمر ناهز الـ 90 عاما.

قامتان وطنيتان غابت عن مسرح الكفاح الوطني، لكن لكل من الراحلين أثره ودوره وسجله، الذي لا يمكن ان يمحى من الذاكرة الوطنية الفلسطينية. رحمهما الله واسكنهما فسيح جنانه. والعزاء لذويهما وللحركة الوطنية والقيادة الفلسطينية ككل.

[email protected]