عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 11 تموز 2016

تغريدة الصباح- بين النّار والّلغة

محمّد علي طه

يعتقد بعض العلماء والدّارسين والباحثين أنّ النّار هي الاختراع الأهّم في مسيرة الجنس البشريّ، وقد تمّ ذلك في العصر الحجريّ حين ضرب أحد أجدادنا القدماء حجرا بحجر فطارت شرارة أدّت الى اشتعال الهشيم القريب، وقد نتجت وما زالت تنتج، على مدى قرون، قبل الميلاد وبعده، من هذا الاختراع النّاريّ. اختراعات عديدة قدّمت فوائد للإنسان في غذائه ولباسه وسفره وسكنه ودوائه وأمور أخرى نافعة، كما تمخّض هذا الاختراع النّاريّ أو الاكتشاف عن اختراعات قاتلة مميتة، مثل البارود وذرّيّته، سجّلت وصمات عار في التّاريخ الإنسانيّ لم يسلم منها بلد أو جنس بشريّ على وجه المعمورة.

وإذا كنت أوافق إلى حدّ ما هؤلاء العلماء الجليلين ذوي العقول النيّرة على رأيهم إلا أنّني أميل إلى الرّأي القائل بأنّ اللغة هي الاختراع الأهمّ الذي أبدعته البشريّة فلولا اللغة ما كان الشّعر والغناء والأدب والمسرح والرّياضيّات والفيزياء والكيمياء وعلم الاجتماع والعلوم الأخرى العديدة.. والأهّم من كلّ ذلك ما كانت القراءة وما كان الكتاب: واعتقد أن العالم سيكون سيّئاً ورديئاً دون الكتاب، وسيكون جافًّا ناشفًا قاتمًا دون الشّعر والغناء والمسرح والموسيقى، وأنّ النّاس سيكونون سيّئين قساة أجلافًا إذا لم يقرأوا الكتب، ولم يسمعوا الغناء والموسيقى ولم يشاهدوا المسرح والسينما.

لولا اللغة ما كانت الكتابة وما كان الشّعر وما كانت القصة والرّوايّة والمقالة والمسرحيّة والملحمة وما كانت هذه الجسور بين النّاس، من الإمتاع والإيهام والإيلام التي تجتاز العادات والتّقاليد والأحكام المسبقة.

لولا اللغة أيضًا ما كانت الكتب المقدّسة التي يلجأ إليها ويهتدي بها البلايين من النّاس، السّمر والبيض والصّفر، وما كانت الأساطير الخالدة منذ جلجاميش وحورس وأوديبوس وألف ليلة وليلة، وما كانت أشعار هوميروس وشكسبير والمتنبّيّ وما كانت مسرحيات أرستوفانس وموليير وما كانت الفلسفة ومؤلفات أرسطو وسقراط وابن رشد وما كان علم الاجتماع والعلوم الأخرى التي تتعلّق بالرّوح وبالنّفس وبالدّماغ وبالمعدة.

واللغّة هذا الاختراع الرّائع العجيب، وسيلة التفاهم والتواصل بين البشر، التي نتج عنها ألسن عديدة تكاد لا تحصى، هي شبيهة بالثّلج كما وصفها الشّاعر الرّوسيّ يفتوشينكو، يتلوّث في المدينة بالغبار ودخان المصانع ودخان السّيّارات والآلات ويظلّ أبيض ناصعًا في الحقول والغابات.

وفي بلادنا العربيّة حيث تكثر الصّحارى وتقلّ الغابات وحيث يعمّ الجفاف وتندر الثّلوج اكتشف أجدادنا في زمن الدّولة الأمويّة وبداية الدّولة العبّاسيّة أن اللّغة العربيّة السّليمة النّاصعة موطنها الصّحراء والبداوة فجمعوا الأشعار والأمثال والحكايات من هناك. كما أنّ شعراء وأدباء بارزين اختاروا العيش بين القبائل البدوية لفترة ما كي يكسبوا الكلمة العربيّة الأصيلة الفصيحة.