نبض الحياة - منهاج التوجيهي الجديد
عمر حلمي الغول
في خضم البحث عن الاستثمار في الانسان الفلسطيني، ارتأت القيادة السياسية ممثلة بوزارة التربية والتعليم العالي في تطوير مناهج التعليم الفلسطينية، وتحريرها من النواقص والعيوب، التي لازمتها من عقود خلت نتاج نكبة عام 1948 بقيام دولة الاستعمار الاسرائيلية على انقاض الارض والشعب والمصالح الوطنية، وعدم تمكن الفلسطينيين من التحرر الوطني وإقامة دولتهم المستقلة وذات السيادة لا وفق رؤيتهم ولا وفق قرار التقسيم الدولي 181 الصادر في 29 نوفمبر 1947 آنذاك. والتي تعمقت آثارها السلبية في اعقاب هزيمة الرابع من حزيران 1967، حيث سيطرت دولة الاحتلال الاسرائيلية على مناحي الحياة المختلفة، وشوهت مناهج التعليم أكثر فأكثر، فسلبت منها روح الابداع والبحث، فضلا عن هويتها الوطنية.
وخلال العقدين السابقين سعى القائمون على وزارة التربية للنهوض بالمناهج التربوي العام في مراحله المختلفة الابتدائية والاعدادية والثانوية والجامعية. لكن لاسباب داخلية مختلفة، بقيت مناهج التعليم تعاني من المثالب والتشوهات العلمية والتربوية والوطنية. لذا حمل القائمون على وزارة التربية في حكومة التوافق الوطني راية التطوير للمناهج عموما ومنهاج التوجيهي خصوصا من خلال مواكبة المنهاج لروح العصر والعمل على حوسبته، وإحداث نقلة نوعية في مستقبل العملية التربوية. وذلك إنطلاقا من الادراك العميق في اوساط القيادة السياسية والقائمين على الوزارة، بأن الانسان الفلسطيني يعتبر اهم عوامل الرأسمالي ومصادر الدخل الوطني، لاسيما وان فلسطين لا تملك جغرافيا واسعة تؤمن لها ثروات طبيعية، ولا لديها نفط، واقتصادها تابع بشكل شبه كلي للاقتصاد الاسرائيلي، ومعابرها وموانئها الدولية تخضع لسيطرة دولة الاحتلال الاسرائيلي، وحتى السياحة الدينية والتاريخية والطبيعية خارج نطاق السيطرة.
غير ان العوامل آنفة الذكر على ثقلها وتأثيرها على مستقبل الشعب والاقتصاد الوطني عموما، لم تحل دون الاقدام على بناء الانسان الفلسطيني بناء عصريا لتضييق الهوة بين الاجيال الشابة والعالم المتقدم، وتعزيز دور الانسان في حمل راية النهوض بالمجتمع بالقدر المتاح. ومن هنا كان التوجه الحداثوي الجديد، الذي باركته القيادة وشخص الرئيس محمود عباس. لكنه واجه عقبة كأداء من قبل قيادة الانقلاب الحمساوية، التي تختطف قطاع غزة منذ عشر سنوات خلت، حيث تذرع القائمون على الوزارة في محافظات الجنوب، بعدم التمكن من تأمين حواسيب لجميع المدارس. وفي الحقيقة مشكلتهم ليست في تأمين الحواسيب ولا في التفاصيل الادارية، انما في الحسابات السياسية الانقلابية، المصممة على تعميق خيار الانقسام والانفصال عن الشرعية الوطنية، وبناء الامارة في غزة، اضف الى الحسابات الشخصانية الضيقة عند القائمين على الوزارة في غزة، لعدم التشاور معهم في بعض التفاصيل ذات الصلة بالمنهاج التربوي الجديد. وبالتالي الاصرار على المضي في خيار التجهيل، وضرب مصالح الطلبة والشعب عموما عبر إخضاعها للاعتبارات الفئوية والخاصة.
الامر الذي يستدعي من الكل السياسي والتربوي والثقافي والاعلامي والاقتصادي والاجتماعي التدخل كل من موقعه وبشكل جمعي للضغط على قيادة الانقلاب الحمساوية لالزامها بافساح المجال امام وزارة التربية والتعليم في تطبيق المنهاج الجديد، الذي يصب في مصلحة الطالب والعائلة والمجتمع الفلسطيني برمته. لان النهوض بكفاءة وطاقات الاجيال الجديدة، هو مصلحة للجميع. واي تعطيل يخدم دولة التطهير العرقي الاسرائيلية وخيار الظلام التكفيري الاسلاموي، الذي تمثله حركة حماس ومتفرعاتها في محافظات الجنوب. فهل يراجع قادة حركة حماس قرارهم العدمي التجهيلي قبل فوات الاوان، ويسمحون للطلبة الثانويين بالانتقال خطوة كيفية متقدمة للامام ام لا ؟ وهل تتمكن القيادة الشرعية من خلال التواصل مع اصدقاء وعرابي حماس من العرب والمسلمين في المنطقة والاقليم بالتأثير عليها لثنيها عن قرارها التجهيلي؟