عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 28 حزيران 2016

انعكاسات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي على المنطقة

من الصعب الجَزم ما إذا كان البريطانيون، الذين صوتوا لصالح خروج بلادهم من الاتحاد الأوروبي في 23 حزيران، يُدركون أنهم بتصويتهم هذا انما يطوون صفحة تاريخية ويفتحون أخرى، ام انهم تصرفوا بشكل غرزي مدفوعين بشعارات شعبوية ولمصالح آنية ضيقة. وبِغَض النظر عن نواياهم، فإن خروج بريطانيا من الاتحاد هو حَدث استراتيجي، وربما هو الأهم أوروبياَ وعالميا منذ سقوط جدار برلين عام 1989، والذي كان يُقسم المانيا وأوروبا الى قسمين:

لماذا يُمثل هذا الخروج حَدثاً تاريخياً؟

 قرار بريطانيا بالانفصال عن الاتحاد الأوروبي، هو ضربة قاسية للحلم والأمل الأوروبي ببلورة هوية أوروبية تعلو على الهويات القومية، وحُلم اقامة أمة أوروبية. كما ويُمكن أن يُمثل هذا القرار بداية لانهيار منظومة سياسية وفكرية استثمرت بها أوروبا منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1944، وبشكل أكبر بعد انتهاء الحرب الباردة التي كانت تقسم أوروبا بين معسكرين اشتراكي ورأسمالي، والتي اسس بعدها الاتحاد عام 1992.

وللتوضيح فإن أوروبا التي اكتوت بحربين عالميتين في القرن العشرين وبعد ذلك بحرب باردة دفعت ثمنها الابرز كانت تحاول بناء منظومة أوروبية تمنع نشوب حرب جديدة وتعزز تجربتها الديمقراطية. وعماد هذه المنظومة من الناحية السياسية والفكرية هو بلورة الهوية الأوروبية المشار إليها، والناحية الاقتصادية خلق شبكة مصالح اقتصادية ومالية مشتركة يصعب حتى التفكير بالانسلاخ عنها.

ما الذي أوصل الاتحاد الأوروبي إلى هذا المأزق؟

 اصطدمت فكرة الاتحاد وإقامة الأمة الأوروبية بالهوة الكبيرة بين الدول الغنية والمتطورة والدول الفقيرة والأقل تطوراً. شعوب الدول الغنية باتت تعتقد انها تدفع ثمناً باهظا من اجل الاتحاد من مالها وفرص عملها، وشعوب الدول الأفقر باتت تشعر بأنها ضحية لهيمنة الأغنياء، وبالتالي فقدان الكرامة والسيادة الوطنية.

وفي كلا الحالتين بدأنا نلمس النزعة الشعبوية الاستقلالية والتي اصبحت مادة للاستغلال من القوى الأكثر يمينية في أوروبا، وهو ما حصل في بريطانيا وما قد يحصل في أي بلد آخر. والخطير في كل ذلك ليس انهيار مفهوم الهوية الأوروبية الجامعة، بل ايضا ما يصاحب ذلك من بعض المظاهر الفاشية والعنصرية، وتكون بذلك أوروبا قد أعادت نفسها إلى المربع الأول. خصوصاً مع استغلال اليمين المتطرف لموجات الهجرة والارهاب القادم من نزاعات الشرق الاوسط.

والسؤال، ونحن نُقبل على مشهد أوروبي جديد، ما هو تأثير هذه التطورات على القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني خصوصاً والامة العربية عموما، انطلاقا من الواقع الجيوسياسي الذي يربطنا بأوروبا؟

أوروبا التي كما يبدو ستكون أكثر انشغالاً بنفسها في المرحلة المُقبلة، وما يعنيه ذلك من انكفاء محتمل لدورها على الساحة الدولية أو اقله تراجع زخم هذا الدور سياسياً واقتصادياً. فإن اسرائيل ستبرز كقوة عظمى في منطقة الشرق- الأوسط، وستوسع بشكل ملحوظ مساحة دورها، خصوصاً مع ما تشهده من انهيار وتمزق عربي ومع ما تشهده من صراعات طائفية ومذهبية في الساحة العربية والاقليمية.

انطلاقاً من هذا الواقع، فإننا بدأنا نلاحظ كيف بدأت اسرائيل تتحول الى قطب تلجأ إليه جميع الأطراف الاقليمية لتأمين حماية أو لكسب ودها في الصراعات القائمة في ظل غياب التأثير الأوروبي. وفي سياق ذلك ستعمل اسرائيل على استغلال هذا الواقع بأبشع الصور خدمةً لمشروعها التوسعي وبالتأكيد سنكون نحن الفلسطينيين أبرز ضحاياه وأولهم وليس آخرهم بالتأكيد، وما الاتفاق التركي الاسرائيلي سوى نموذج للمرحلة المُقبلة.

امام هذا الواقع وهذا الاحتمال ما العمل فلسطينياً وعربياً؟

ليس هناك أمام الفلسطينيين والعرب سوى خيار العودة إلى مبدأ التضامن والتوحد أمام هذا التهديد المنظور. فلسطينياً لا بد من تجاوز الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية، التي من شأنها أن تعزز صمودنا وأن تقلل من نسبة الخسائر في ظل هذا التهديد. أما عربياً فعلي العرب المبادرة الى حل نزاعاتهم الداخلية بأسرع وقت عبر ايجاد حلول للازمات السورية والعراقية والليبية واليمينة، والعمل على ترميم الواقع العربي وصولاً إلى حالة من التضامن هذا اولاً وثانياً إيجاد صيغ لانهاء النزاع العربي الايراني والتركي العربي من خلال مبدأ توازن المصالح وليس توازن القوى، فالجميع سيكون خاسراً إذا اصبح العصر الاسرائيلي هو السائد في الشرق الاوسط.