عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 15 آذار 2016

"توفيق صالح زكارنة"

عيسى عبد الحفيظ

العلاقة التي تنشأ بين المناضلين من أنقى وأطهر ما تعرفه العلاقات الانسانية، ففي السجون التي شيدها الاحتلال لتكون مقابر للمناضلين تتجلى العلاقات الانسانية بينهم، فالهدف واحد والمصير واحد والمعاناة واحدة.

 هذه العلاقة التي تنمو وتدوم اذا ما قدر للمناضلين أن يتحرروا يوماً ما من سجونهم، وتستمر حتى الى ما بعد رحيل أحد مكوناتها عبر الذكرى والتواصل. كان للسجناء شرف الارتباط بعلاقة انسانية ووطنية مع الراحل المرحوم أبو صالح زكارنة الذي رحل عام 2006، لكنه ترك في كل من عرفه خاصة أثناء فترة الاعتقال ذكرى طيبة كقائد نضالي من الصفوة، وبحكم عمره المتقدم عن الآخرين فقد شكل أيضاً أبا ومرشداً ونموذجا للاقتداء.

أكثر من ثمانين عاماً عاشها الفقيد زاخرة بالأحداث خاصة الوطنية منها. اشتبكت مجموعة فدائية مع قوات الاحتلال في 27/11/1969 مع الفجر مع قوة من جيش الاحتلال الاسرائيلي، حيث أسفر الاشتباك عن استشهاد الشيخ حسن أبو سرية وفدائي آخر ومقتل جنديين اسرائيليين وجرح خمسة آخرين كما ذكر الناطق العسكري الإسرائيلي.

 تقدم أبو صالح الشباب الذين أمطروا قوات الاحتلال بالحجارة فتم اعتقاله حمل أبو صالح مظهرين أولاهما مظهر الفلاح البسيط الذي يكد لتأمين حياة عائلته، والإنسان الحكيم صاحب التجربة الطويلة في الحياة، والذكاء والحكمة، حتى أن كثيراً من معارفه اطلقوا عليه لقب الفيلسوف.

ولد في قرية دير غزالة المطلة على مرج ابن عامر، لم يلتحق أبو صالح بالمدرسة لأنها لم توجد أصلاً في قريته الصغيرة ذات العدد المحدود من السكان، لكنه ذهب إلى الكتاتيب وتعلم مبادئ القراءة والحساب، لكن من يلتقي أبو صالح للوهلة الأولى يتكون عنده انطباع بأنه أمام خريج من التعليم العالي نظراً لمعارفه العلمية والثقافية، أو أنه أمام مهندس زراعي قدير لعلمه الواسع في علم الزراعة والحيوان. تميز أبو صالح بصفات أوصلته إلى مستوى رفيع على المستوى الإنساني، كان رحيماً رؤوفاً محباً ومدافعاً عن الحق ويكره الظلم ويحاربه. كان في السجن شاباً في حماسته وحليماً، ومحرضاً دون تهور، وداعية للوحدة والصمود ورص الصفوف أمام غطرسة وظلم السجان.

 شخصية محورية ومحبوبة من كل السجناء على اختلاف مشاربهم الفكرية أو اتجاهاتهم السياسية. لعب دوراً محورياً في سجن بيت ليد عام 1971 خاصة في حل التناقضات التي كانت تبرز بين الفصائل. قررت اللجنة المقررة لإضراب سجن بيت ليد عام 1972 البدء بإضراب طويل عن الطعام احتجاجاً على سوء المعاملة، وأخذت قراراً بإعفاء أبو صالح من الإضراب لأنه كان يعاني من قرحة بالمعدة، لكنه رفض الإعفاء وقرر بلا جدال المشاركة في الإضراب مكرراً أنه لن يغرد خارج السرب، حتى لو أدى ذلك إلى استشهاده. علم من أعلام الحركة الوطنية الأسيرة، يحظى باحترام وحب الجميع، واسع الصدر وصبوراً ومحباً لعمل الخير وصاحب الحل عند اشتداد المشاكل. اطلق سراحه عام 1985 وعاد إلى مسقط رأسه في قرية عين غزالة ليحرث الأرض ويحولها إلى بستان أخضر جميل حتى أقعده المرض وانتقل إلى الحياة الأخرى.