الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
د. رمزي عودة

لم يعد لإسرائيل شيء تخفيه في حربها ضد الشعب الفلسطيني؛ فقد عكست موازنتها المقترحة للعام 2026 خططا إسرائيلية توسعية لضم الضفة الغربية ومنع قيام الدولة الفلسطينية. وبهذا –أي الموازنة– تصبح وثيقة إسرائيلية رسمية تجرم الاحتلال، ويمكن استخدامها قانونيا وسياسيا لكشف جريمة الفصل العنصري التي توسعت بها إسرائيل بشكل مطرد، ساعية إلى فرض حقائق جديدة على الأرض، لتنقل مفهوم "الضم الزاحف" الذي عملت به في الأراضي الفلسطينية المحتلة قبل السابع من أكتوبر إلى "الضم المتسارع" قيما بعده.
إن النظرة المتفحصة لموازنة إسرائيل للعام 2026، التي بلغت 662 مليار شيقل وبعجز يصل إلى نحو 4%، تظهر بوضوح أن إسرائيل تسعى بوتيرة متسارعة إلى قتل حل الدولتين، وعزل المناطق الفلسطينية عن بعضها البعض على شكل كانتونات أو جزر معزولة، إضافة إلى سعيها لربط المستوطنات فيما بينها وبالمناطق الواقعة داخل الخط الأخضر.
فالموازنة الإسرائيلية المخصصة للاستيطان، التي قاربت حاجز 6 مليارات شيقل، تضاعفت بنسبة تقارب 350% مقارنة بالأعوام السابقة لعدوان السابع من أكتوبر. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل خصصت مليارات الشواقل الإضافية من موازنة الأمن لحماية المستوطنات، وإقامة شبكة من الطرق التي اعتبرت جزءا من "البنية الأمنية" في الضفة الغربية المحتلة.
وفي هذا السياق، نجح وزير المالية سموتريتش في الاتفاق مع وزارة الجيش على تقليص ميزانية الأمن التي طلبتها الأخيرة في إطار إعداد الموازنة العامة لعام 2026 من 144 مليار شيقل إلى 112 مليارا، وبما يمثل زيادة تقدر بنحو 20 مليار شيقل مقارنة بميزانية العام المنصرم 2025، وهو ما يخدم أساسا المشاريع الاستيطانية في الضفة الغربية على حساب حاجة الجيش الإسرائيلي لقوات أكبر في ظل أزمة التجنيد.
إضافة إلى ذلك، اقتطعت الموازنة من مختلف الوزارات –مثل وزارة التربية والتعليم، ووزارة الإنشاءات، ووزارة المواصلات ووزارة الزراعة وغيرها– مخصصات موجهة للاستيطان، وشق الطرق الالتفافية، وإنشاء المستوطنات الرعوية، وبناء عشرات الآلاف من الوحدات السكنية الاستيطانية، ودمجها قانونيا وديمغرافيا مع المناطق الواقعة داخل الخط الأخضر. من جانب أخر، فإن الموافقة على نقل أكثر من 19 مستوطنة "غير شرعية" وفق التصنيف الإسرائيلي إلى مستوطنات "شرعية"، تسمح لنا بتوقع ارتفاع عدد المستوطنين الإسرائيليين من نحو 750 ألفا في الوقت الحاضر إلى قرابة مليون مستوطن خلال السنوات الخمس المقبلة. وبالنظر إلى تخصيص موازنات لحماية المستوطنين وتسليحهم من قبل ما يسمى بوزارة الأمن الداخلي، ومع تسجيل هجمات المستوطنين على القرى الفلسطينية مستويات غير مسبوقة خلال العامين الماضيين (نحو 8250 هجوما عنيفا)، يمكن توقع تضاعف هذه الهجمات خلال العامين المقبلين بنسبة لا تقل عن 100%.
ومن زاوية أخرى، فإن استكمال برامج الاستيطان خلال السنوات الخمس المقبلة، ووفق البرامج المخططة والمعلن عنها من قبل وزير المالية الإسرائيلي سموتريتش، سيؤدي إلى عزل مدينة رام الله –العاصمة المؤقتة للسلطة الوطنية الفلسطينية– عن محيطها في القدس، وعن مناطق شمال الضفة الغربية وجنوبها، كما أن هذه البرامج، التي تتضمن بناء مستوطنة E1 شرقي القدس وصولا إلى وسط وجنوب الضفة الغربية، ستقسم الضفة الغربية شمالا وجنوبا، وتمنع قيام الدولة الفلسطينية.
وبالفعل، بدأت دولة الاحتلال بطرح العطاءات الإنشائية لهذه المستوطنة، وشرعت في شق الطرق الالتفافية في شارع الكسارات جنوب مدينة رام الله، وفي مدينة العيزرية، وطريق المطار في قلنديا، والطريق الالتفافية بين حزما وجبع وصولا إلى مستوطنة أريئيل. وتؤكد هذه المشاريع مجتمعة أن إسرائيل تعمل بتسارع مع الزمن لابتلاع الضفة الغربية، وعزل تجمعاتها السكانية الفلسطينية، ومنع قيام الدولة الفلسطينية، وهو ما صرح به بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء إسرائيل، حين أكد بوضوح أنه لم ولن يسمح بقيام الدولة الفلسطينية من النهر إلى البحر.
في الواقع، يبدو أن الاستيطان، بوصفه سياسة واستثمارا استعماريا في الضفة الغربية، لم يعد يقتصر على بنود هامشية ضمن ميزانية وزارة الاستيطان، بل تحول إلى مشاريع استراتيجية متوسطة وطويلة الأجل بقيمة مليارات الشواقل، تمتد لأكثر من سنة مالية ضمن خطة (2026–2030). وترافق هذا التحول مع مأسسة نظام الأبارتهايد، من خلال إنشاء إسرائيل لما يسمى "إدارة الاستيطان" داخل وزارة الحرب، تحت إشراف سموتريتش، إضافة إلى دمج المستوطنات في أنظمة الحكم المدني الإسرائيلي، بما يشمل الموازنات، والبنية التحتية، والخدمات.
يبدو أن الوضع القائم مأساوي ويستدعي تحركا عاجلا على مختلف المستويات، وعلى رأسها الأمم المتحدة ومحكمة الجنايات الدولية. فهذه الموازنة الإسرائيلية هي موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز، موجهة مباشرة ضد الشعب الفلسطيني. وإن العمل الدبلوماسي والقانوني على وقفها يعد مطلبا دوليا وفلسطينيا عاجلا، لأن تطبيق هذه الموازنة يخلق واقعا جديدا للفلسطينيين في ظل نظام فصل عنصري صارم، غير قابل للحياة أو التنمية، ويقود في المحصلة النهائية إلى تهجير الشعب الفلسطيني خارج الضفة الغربية المحتلة، تماما كما تفعل إسرائيل في هذه الأثناء في قطاع غزة، من خلال الإبادة الجماعية ومنع إعادة الإعمار.
مواضيع ذات صلة
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي