برشلونة برشلونة
محمد علي طه
النص الجماعي الحداثي (شعرًا أو نثرًا أو رسمًا) الذي تبدعه أقدام ورؤوس وأجسام لاعبي فريق برشلونة لكرة القدم على الملاعب الخضراء في القارة العجوز يأسر القارئ الرياضي الذي يعيش المباراة على المدرج أو أمام شاشة التلفاز ويستولي على حواسه: على شمه ولمسه وذوقه وبصره وسمعه، ويشيله عن المقعد ويحطه عليه، ويفرحه ويضحكه وينسيه هموم الحياة وغزو المغول المعاصرين ونذالة الخنازير المعممة التي ترعى في مزابل الاستبداد.
أحد عشر مبدعا يعملون معا، يركضون يقفزون يركلون الكرة بأقدامهم ويلاحقونها بحواسهم وبأرواحهم يعزفون سيمفونية عصرية وينظمون قصيدة الحاضر، ويكتبون قصة اليوم، ويسردون رواية الآن، ويقيدون الملايين في الشرق والغرب بخيطان حريرية عنكبوتية لتسعين دقيقة من العمر قد تتبعها دقائق قليلة جدا مثل حبة المسك.
أحد عشر قاصا لا يعرفون تشيخوف ولا موباسان ولا إدغار ألن بو ولا يوسف إدريس يؤلفون قصة رائعة فيها لحظات تنوير متعددة وفيها حبكة قوية وفيها تعابير شعرية نسي كتابتها أبو الطيب المتنبي، وفيها بديع لم تعرفه المقامات. يصوغ أندريس انيستا الحبكة بمهارة رسام قدير، ويكتب جوردي ألبا الجملة الأولى فيسرع داني ألفيش ليضيف عبارة جميلة فيتلقاه إيفان راكيتيتش بجملة رائعة تفرح جيرارد بيكه وسرجي بوسكيتس وهنا يتقدم الساحر الأرجنتيني ليونيل ميسي عملاق الكرة السحرية، هذا البرغوث الجميل الذي يزداد تألقا في كل ميدان ومباراة بعد مباراة، يصول في كامب نو ويجول في سنتياجو برنابيو ويحلق في ملعب الإمارات ويداعب قدمي البرازيلي نيمار الطالع من عباءة بيليه، ورأس الأوروغوياني لويس سواريس فتضحك أسنانه وعيناه وقدماه ويداه. وكيف أنسى العملاقين برافو وتير شتيغن اللذين يذكراني بالكاتب الفرنسي ألبير كامو الذي كان حارسا لمرمى جامعة الجزائر وقال: تعلمت بأن الكرة لا تأتي مطلقا نحو حارس المرمى من الجهة التي ينتظرها. قد تأتي يمينا أو يسارا يا برافو أو تأتي من فوقٍ أو من تحتٍ أو مستقيمة أو لولبية ولكن برافو لها بالمرصاد.
هذه اللعبة هي أشرف الحروب كما كتب أخي الشاعر محمود درويش في مقاله الجميل عن اللاعب الأسطوري الأرجنتيني دييغو مرادونا ونشره في مجلة "اليوم السابع" وأعدتُ نشره يومئذ في ملحق "الاتحاد" الثقافي.
أنا أحب وأؤيد فريق برشلونة وأنتظر مبارياته بفارغ الصبر ولا يشغلني عنها شاغل، وهذا الحب لا يمنعني من أن أتمتع بسرعة الجواد كريستيانو رونالدو وبمراوغة كريم بنزيمة وبمهارة خاميس وغاريث بيل وآخرين في مانشيستر سيتي ويونايتد وليفربول ويوفنتوس وبايرن ميونخ وفرقٍ أخرى.
يرى بعض المعلقين الرياضيين مباريات كرة القدم حربا ضروسا ويصفون الثلاثي الرائع ميسي ونيمار وسواريس بمثلث الرعب أو المثلث القاتل وأما أنا فأراه مثلث المحبة والمهارة الساحرة والتفاهم.
هذا مقالي الرابع عن كرة القدم، ثقافة هذا العصر التي كتب عنها كاميلو خوسيه الحائز على جائزة نوبل احدى عشرة قصة والتي عشقها الشاعر أليوت وآخرون من الأدباء والشعراء.
لا تلوموني في عشقها!
تعالوا نشاهد معا مباراة جميلة!!
مواضيع ذات صلة
غزة بين الإدارة الدولية للأزمة ومفارقة "التعافي المعيَّق"
"حصة التوأم" من خريطة نتنياهو الجديدة!
د. إحسان عباس
تانغو حماس نتنياهو تطرف إسرائيلي ونكبة فلسطينية
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل