عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 06 آذار 2016

انتزاع أنفسنا من احتلال العقول

منير فاشه

الكلمات كالمأكولات: الهدف من الاثنتين هو التغذية. المأكولات تغذي الجسم والحيوية، والكلمات تغذي العقل والفكر والعاطفة. تشكل المأكولات عناصر غذاء، والغذاء هدفه تعميق العافية. وتشكل الكلمات عناصر معرفة، والمعرفة هدفها تعميق الحكمة. هذه الحقائق كانت صحيحة قبل بروز المدنية التي صممتها ونشرتها القبيلة الأوروبية قبل ما يقارب من 4 قرون. نعيش حاليا تخريبا جذريا ومبرمجا للكلمات والمأكولات (وغيرهما مما يرتبط بعافية الإنسان كالهواء والماء والتربة والطبيعة والنسيج المجتمعي). الجديد في هذا التخريب أنه لم يكن نتيجة جهل بل نتيجة معارف وعلوم ورياضيات وتصميم وتخطيط وتنفيذ. من الصعب ذكر أي ناحية جوهرية في الحياة لم تُخَرب. لذا، ضروري ألا نعادل بين التقدم على صعيد الأدوات والتقدم على صعيد الحياة. أبدعت القبيلة الأورو-أميركية باختراع أدوات، ارتبط معظمها بالسيطرة والفوز والربح وليس بالحكمة والعافية. إذا انفجرت زائدتي الدودية أذهب إلى طبيب يعرف كيف يستعمل أجهزة حديثة ومعرفة حديثة. لكن في سعيي للعافية أتجنب المهنيين إلى أبعد حد ممكن فنظرة إلى أجسام الأطباء تجعلني أتساءل: إذا لم يهتموا بعافيتهم، كيف أثق أنهم سيهتموا بعافيتي؟!

معظم الناس يعون التخريب على صعيد الجسم عبر مأكولات مصنعة؛ لكن قلة هم الذين يعون التخريب الذي حصل للعقل والفكر والإدراك عبر كلمات مصنعة. جدير بالذكر أن تخريب الكلام سبق تخريب الطعام بعدة قرون، ومهد الطريق لأنواعٍ أخرى من التخريب، كالمناعة الداخلية لدى الأشخاص والمجتمعات، وقدرة الحياة على توليد ذاتها (إلى جانب ما ذكرته بأعلاه). مصدر هذا التخريب هو القبيلة الأوروبية التي سخرت اللغة ثم العلوم والرياضيات لهذا الغرض عبر احتلالات غذى بعضُها بعضا: سياسية اجتماعية ثقافية اقتصادية عقلية. أخطرها وأقلها وعيا هو احتلال العقول المرتبط بالاحتلال الإدراكي المعرفي. لذا، يشكل انتزاعنا من احتلال العقول الخطوة الأولى للتحرر من احتلالات أخرى، ولاستعادة الحكمة والعافية في حياتنا.

الأداة الرئيسية في احتلال العقول هي اللغة. فاللغة ليست محايدة، إذ يمكن أن تكون أداة ناجعة في السيطرة على العقول والتحكم بإدراك وسلوك الناس وعلاقاتهم، كما يمكن أن تكون أداة فعالة للتحرر واستعادة العافية والحكمة. لذا، من الهام جدا وعيُنا أي اللغتين نستعمل. أركز في هذه الحلقة على قصة نشأة اللغة التي ساهمت في احتلال العقول والسيطرة عليها عبر التعليم الرسمي – قصة مغيبة من الحديث عن التربية (وكليات التربية خاصة) حول العالم.

"الجرثومة" الرئيسية في السيطرة على العقول وُلِدَت في عقل "نبريها" الذي عاش قبل 500 سنة بإسبانيا زمن الملكة إيزابيلا. بعد موافقة إيزابيلا لدعم "كلمبس" في سفرته غربا، ذهب إليها نبريها منبهاً أن من غير الممكن السيطرة على أراضٍ بعيدة قبل السيطرة على عقول رعيتها. سألته: وكيف تقترح ذلك؟ أخبرها أنه عمل 25 سنة على تكوين لغة (خلطة من لغات موجودة باسبانيا) وما عليها إلا أن تُدرسها لكل الأطفال في مملكتها بحيث يتعلموها وفق كتابين ألفهما (قاموس وكتاب قواعد) وأن يتم ذلك عبر أشخاصٍ يُوَظفون لذلك (الفكرة الأساسية في التعليم الرسمي السائد حول العالم). رغم أن الفكرة مقبولة لدينا، إلا أنها كانت غير مقبولة لإيزابيلا. فرغم شغفها بالسيطرة، رأت في فكرة نبريها احتقارا للناس وتخريبا للكلام ما دعاها لأن تطلب منه ترْك بلاطها وعدم العودة. ترك نبريها ولم يعد. نامت الفكرة مدة 150 سنة حتى تلقفتها فرنسا التي كانت في طور تكوين "دولة قومية" بحدود ومواطنين يطيعون تعليمات السلطة في باريس دون سؤال ودون معرفة لماذا (بل واعتبار ذلك تقدما ورِقيا!). تجمعت ثورة صناعية وإنشاء دولة "وطنية" وبدء تراكم رأس المال مما تطلب إيجاد أداة للسيطرة على عقول الناس (وبالتالي على سلوكهم وعلاقاتهم). كانت فكرة نبريها الأداة التي استعملها أصحاب القرار بباريس. أما الذي ترجم الفكرة إلى فِعْل فكان "كمينيوس" الذي قدم خدماته إلى عدة دول في طور التكوين كفرنسا والسويد وانجلترا. بعد السيطرة على عقول القبيلة الأوروبية انتقلت الفكرة إلى مناطق أخرى حول العالم عبر إرساليات واستعمار؛ ووقعنا في فخها. أنجح فكرة عبر التاريخ في رأيي كانت فكرة التعليم الرسمي كما صممها نبريها، التي في جوهرها السيطرة على العقول (ومظاهرها كثيرة، مثلا صدق أغلب الشعوب الغربية أن الحرب الأورو-أميركية المدمرة على العراق كانت لتعليمهم الديمقراطية). المدهش أن خليل السكاكيني وهو بعمر 18 سنة عام 1896، لاحظ أن التعليم الرسمي الذي أحضرته الجاليات الغربية إلى فلسطين هو إذلال واحتذاء بحذاء الغير فرَفَع شعار "إعزاز" التلميذ لا "إذلاله" في مدرسته بالقدس (1909) حيث لا علامات ولا جوائز ولا عقاب فيها.

فكرة "نبريها" باختصار: احتلال لغة رسمية محل لغة حية تستمد معانيها من التاريخ والحضارة ومن الحياة عبر تأمل بالخبرات واجتهاد في توليف معنى لها. اللغات الحية هي التي يتعلمها الأطفال في البيت والحارة عبر تفاعل يومي وسياقات حقيقية وبدون تدريس وهي أيضا لغة الأدب والشعر والحكايات، والتي وصفها الجاحظ قبل 1200 سنة بـ "بيان وتبيين". أما اللغة الرسمية فهي لغة الكتب المقررة والمناهج والمؤسسات الرسمية؛ لغة مملة (لا أعرف أحدا يذهب إلى وزارة تربية لشراء كتاب مقرر). يشكل هذا الملل والوظيفة البيتية المدرسية عبر 12 سنة تدريبا ضروريا يحضر الشخص نفسيا لوظيفة في المستقبل. لعل أهم ما يميز هذه اللغة المصنعة أن لها إيحاءات أكثر من دلالات (مثل ناجح وفاشل والأول في الصف). هي لغة لا تسعى لتبيين ما ينضج داخل الشخص ولا تسعى نحو التحرر وتعميق الفهم والحكمة، بل لغة تتعامل مع الكلمات كأدوات هدفها – تصميما – السيطرة على العقول وبالتالي على السلوك والعلاقات. يُطْلَق على هذه اللغة الرسمية "اللغة الأم" لتوحي بإيجابية. جدير بالذكر أن العرب لم يستعملوا هذا التعبير قبل غزو انجلترا وفرنسا للمنطقة. لذا، ضروري عدم الخلط بين اللغة الأم ولغة الأم رغم تشابه الحروف. احتلال اللغة الأم الرسمية محل لغة الأم الحية ولغة التخاطب الشفوي ولغة الأدب هو الجرثومة الاحتلالية بامتياز والتي مهدت للاحتلالات الأخرى.

غزو كلمبس لأميركا والقضاء على سكانها وحضاراتها أمور يراها الجميع. غزو العقول الذي صممه "نبريها" (في نفس الوقت والمكان الذي عاش فيهما كلمبس) ما زال خافيا لدى الأغلبية. احتلال لغات رسمية محل لغات حية هو ما يمكن أن نعتبره بداية العصر الحديث وسبب ما نشهده من تخريب للحياة. احتلال شعب لآخر ليس جديدا، واحتلال لغة محل لغة أخرى ليس جديدا. الجديد هو احتلال لغة رسمية تتكون من نفس الحروف يحكمها مهنيون مرخصون محل لغة لها جذور في الحياة والحضارة.