في تبديل الجوهري بالثانوي
ياسر المصري
يراهن دوما أعداء الوطن على حالة التيه وفقدان البصيرة من غبار زوبعة الغبار المفتعل، حتى تتبدل الأساسيات والقضايا الجوهرية بقضايا ثانوية، ويستبدل الفرعي بمكان الأساسي، وتأتي هذه المقارنة مقترنة بأداء معين وفق سيناريو متكرر وإن إختلف في بعض الأدوات غير انه يحافظ دوما على تحقيق نفس الأهداف والانطلاق في نفس التوقيت.
ففي كل حالة اشتباك مع الاحتلال يتم عمدا او جهلا تبديل الأساسيات بالثانويات، وعودة على مشهد خطير تعرض له الشهيد ياسر عرفات في شهر نيسان العام 2002، خرجت بعض الأدوات تجيش الشارع تحت مظلة شعارات براقة تستوفي إثارة البسطاء وكان مضمون هذه الشعارات محاربة الفساد وإصلاح المؤسسات الحكومية والحركية داخل حركة فتح، معتمدين بذلك على ان كل المجتمع الفلسطيني بكل مكوناته مؤيدا ومنسجما مع هذه الشعارات من حيث الحاجة لها، فشل هؤلاء وسقطت مخططاتهم كأهداف للاحتلال وادواته، رحل الشهيد عرفات وموقفه الوطني بقي ثابتا لا يلين ولم يرضخ لحصار ولا لعرابين مشاريع العزل الشعبي بحقه.
تتم هذه الأيام تناول أمر خلافة الرئيس محمود عباس بطريقة مشوشة ومضللة للشارع من حيث إعطاء الألوية لتسليط الضوء على شخصية الخليفة المحتملة، دون إقران ذلك بما هو البرنامج السياسي اللازم لهذه المرحلة المقبلة، وما هي الأدوات الواجبة سواء كانت أدوات ضرورة أو أدوات مرحلية، ويحدث هذا أيضا بصرف النظر عمدا أو جهلا إلى ان الإحتلال قد أغلق ملف التسوية وأنهى حل الدولتين.
الخليفة المنشود سيأتي محمولا على هذه الأزمة والمأزق السياسي الذي يواجهه الشعب الفلسطيني بكل مكوناته وقواه الوطنية والسياسية، فأي خليفة سيأتي لن يكون للشعب الفلسطيني معه أية إشكالية طالما كانت في إطار الشرعية الفلسطينية الديمقراطية، ولكن المطلوب لتسليط الضوء عليه هو ما يمكن لهذا الخليفة فعله وكيف؟ مع ضرورة الأخذ بعين الإعتبار تسليط الضوء على المسار اللذي سلكه الرئيس عباس وعلى ما يواجهه من حملات تشويه وتهديد، والتأكيد أن هناك ومنذ أعوام مطلب احتلالي واضح يسعى لاستبعاده سياسيا كما حدث مع الرئيس عرفات أواخر سنواته، فعدم تسليط الضوء على طبيعة الواقع السياسي الفلسطيني الحالي وتسليط الضوء على شخص الخليفة المحتملة قد يكون عملا تطوعيا في تشتيت الحالة وبعثرتها وتماشيا مع الأعداء عن طريق الجهل أو العمد، من حيث ان الأزمة الأساس التي يواجهها الشعب الفلسطيني تتجسد بالاحتلال وسياساته ومن هذه الأزمة تتولد أزماتنا الثانوية الأخرى، وان المطلوب هو مواجهة مشاريع الاحتلال الهادفة لتصفية القضية عبر تغيير الوعي وكسر سلم الأولويات.
وحين يبدل البعض الثانويات بالجوهري والأساسي جهلا أو عمدا يحضر الجميع ويغيب الواجب في الحضور(الوطن)، فإضراب المعلمين حمل مجموعة صور تحتاج الوقوف عندها في:
- رفع شعار كرامة المعلم وبهذا تضخيم وتهويل للأمر وكأن هناك من استباح هذه الكرامة المكفولة اجتماعيا وقانونيا ونقابيا، وجميع المطالب من جهة المعلمين هي مطالب نقابية بحتة لا تمت للكرامة بصلة من حيث المطلب، وتعاطي الحكومة وكل الجهات الرسمية مع هذه المطالب كانت ضامنا يضمن هذه الكرامة.
- قدمت الحكومة أفضل ما عندها للمعلم الفلسطيني نقابيا، ولم يكن هناك من حكومة سابقة قدمت ما قدمته هذه الحكومة، دون الحاجة للتطرق إلى حكومات سابقة أقدمت على إثقال كاهل المواطنين بالضرائب بعد عجزها عن توفير الدعم المالي من الجهات الخارجية.
- لم يؤخذ بعين الاعتبار حتى اللحظة مصلحة المواطنين كمجموع من حيث المسؤولية اتجاه الطلبة بكافة مستويات تعليمهم، وتمدد الإضراب بشكل خرج عن مصلحة الكل ولم يراع حقوق الطلبة وذويهم (وهو الحق الأعلى).
- صرف الإضراب الأنظار عن القضايا الداخلة الجوهرية (الهبة، الانقسام، سياسات الاحتلال الاستيطانية وتهويد القدس...إلخ من القضايا الجوهرية والأساسية والأخطر علينا كمجتمع وقضية).
وإن صورة المعلم الفلسطيني ما زالت تلك الصورة المجبولة بآلام الاغتراب والشقاء، تلك التي رسمها وطنيون أوائل حين كان ذلك المعلم يقتطع من قوته ليتبرع به دعما لنضالنا الوطني، وحين كان انحيازه الثابت لما يجعله شريكا بحلم الاستقلال وتعزيز النضال الفلسطيني، وبهذا فإن المعلم الفلسطيني اكتسب قيمة إضافية قيميا وأخلاقيا ووطنيا جعلته متميزا عن الآخرين.
إن كل هذا وذاك يعطي إشارات واضحة لضرورة عمل القيادة الحقيقية لإعادة بناء سلم الأولويات وفق هرم قيمي سليم.
مواضيع ذات صلة
غزة بين الإدارة الدولية للأزمة ومفارقة "التعافي المعيَّق"
"حصة التوأم" من خريطة نتنياهو الجديدة!
د. إحسان عباس
تانغو حماس نتنياهو تطرف إسرائيلي ونكبة فلسطينية
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل