عاجل

الرئيسية » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 26 شباط 2016

الثوب الفلسطيني..على سطحه ضوء القمر والطيور في رحابه

رام الله- معتصم محسن- لكل دولة من دول العالم ما يميزها عن غيرها من الدول سواء كان بالثقافة التي تتبناها او بالعادات والتقاليد التي تحتضنها، ومن الامور التي تتخذها الدول ميزة تفتخر بها وتعتز بتوارثهاهي اللباس الخاص او اللباس الموروث،  أو ما يطلق عليه اللباس الشعبي، فتتخذ تلك الدول لباسها الخاص كنوع من أنواع الموروث الثقافي والشعبي الذي يعتبر وسيلة أو هوية تعريفية تتعارف من خلالها الشعوب المختلفة.

ومن تلك الدول التي طالما افتخرت بلباسها والذي يعتبر اللباس الشعبي التقليدي الخاص بها هي  فلسطين، فكان الثوب الفلسطيني هو اللباس الذي كان دوما رمزا تفتخر بلبسه المرأة الفلسطينية، هذا اللباس الذي اتخذته نساء فلسطين خصوصا نساء القرى والأرياف الزي الشعبي الرسمي لهن، فكان وما زال بمثابة بصمة تراثية تتباهى به المرأة الفلسطينية، فهي التي ابتكرته بيديها واتخذته لباسا لها في شتى المناسبات.  

اشكال هندسية ورسومات طبيعية  

 و يمتاز هذا الثوب بميزة جمعت بين الفن الجميل والاناقة الرتيبة، الا وهي الزخرفة والتطريز المتنوعان اللذان يجوبان أنحاء هذا الثوب من كل ناحية وكل صوب، ترتسم عليه الزخارف والرسومات المختلفة التي تخفي في ثناياها الكثير من الدلائل الخاصة المستوحاة من الحضارة التي تعيشها صاحبة هذا الثوب.  

و يتميز الثوب الفلسطيني بتكرار الأشكال الهندسية والرسومات الدالة على الطبيعة كالقمر والنجمة والوردة والشجرة، وهذا إذ دل إنما يدل على الفلكلور السائد في فلسطين والذي هو فلكلور زراعي، كما تستطيع ان ترى انعكاس الفصول الأربعة عبر أوراق الشجر وانتشار الورود بألوانها وأنواعها وتجلي الطيور والغزلان في رحاب هذا الثوب.

فبأشكال التطريز التي يتخذها الثوب وألوانه نجده يعبرعن المناطق الجغرافية والاجتماعية لكل منطقة ، كما ويعبر عن الثقافة السائدة في منطقة صاحبة هذا الثوب، فكل منطقة تتميز بلمسة زخرفيه موجودة على الثوب تختلف عن الأخرى، فتتنوع الزخارف تبعا للمنطقة الجغرافية التي تنسب لها صاحبة الثوب، فمن رسم الثوب وزخرفته تستطيع معرفة المنطقة القادمة منها مرتدية هذا الثوب.

ويختلف شكل الثوب حسب من يلبسه فثوب النساء المسنات يختلف في تطريزه عن ثوب الفتيات، فثياب الفتيات تجدها زاخرة بالتطريز والزخارف بينما تتسم ثياب المسنات بالوقار وهدوء ألوانها.

السيدة نور عدي خياطة متخصصة في صنع الأثواب منذ اكثر من خمسة عشر عاما، وتستخدم لتلك المهمة أسلوب متطور إذ لجأت إلى ماكينة خاصة لهذا النوع من التطريز بدلا من التطريز باليد، تقول السيدة نور: "استخدامي للماكينة لا يعني استغنائي عن التطريز اليدوي فكثير من الدرزات المستخدمة في بعض الأثواب لا تنجزها الماكينة، لجأت للماكينة توفيرا للوقت والجهد، وعادة يحتاج صنع الثوب وتجهيزه يدويا إلى فترة قد تتجاوز التسعين يوما أما باستخدام الماكينة فتقل المدة إذ باستطاعتي تجهيز الثوب بفترة قدرها عشرين يوما، وهذا طبعا يعتمد على حجم المساحة المطرزة من الثوب وعلى شكل الغرزة ما إذا كانت كبيرة أم صغيرة وكذلك يعتمد على نوع القماش المستخدم".

وعن تطور هذه الصناعة، تقول نور: "قديما كانت النساء من القرية الواحدة تجتمع لتتعاون في خياطة الثوب فكان الجهد يوزع، وبتعاون النساء يتم انجاز الثوب بوقت اقل أما اليوم فقليلة هي النساء التي تعرف كيفية الطريقة التي يتم بها تطريز الثوب ونادرا ما تجتمع النساء لإنجاز مثل هذا العمل فكان لا بد أن أجد بديلا وهو تلك الماكينة".

ثوب حفلات ومناسبات

تضيف السيدة نور "أصبح الثوب في أيامنا هذه ثوب حفلات ومناسبات ففي بعض القرى الفلسطينية اتخذت العروس من الثوب لباسها الخاص لليلة الحناء إذ لا تجوز إلا بلبس الثوب المطرز، وتتسابق العرائس على لبس أجمل الأثواب وأكثرها درزات جميلة وملونة، فكلما كان الثوب مليئا بالدرزات زاد تفاخر العروس بثوبها أمام الفتيات الأخريات فتتبارى العروس وأهلها في جعله لوحة فنية تجذب اليه أنظار الحاضرين. وطبعا هذه عادة ليست بجديدة و إنما مستوحاة من عاداتنا القديمة حيث كان الثوب الفلسطيني هو اللباس الخاص للمناسبات والحفلات الرسمية كالأعراس، وكان يطلق على ثوب العروس اسم (ثوب المَلَك)".

لكل منطقة ثوب يميزها

وعن الاختلاف في اشكال الثوب تقول الخياطة الخبيرة "الثوب متشابه في جميع المناطق ولكن الاختلاف يكون بالدرزات ومكان انتشارها في الثوب بالإضافة إلى طبيعة الرسومات عليه، فمناطق الشمال تركز على " القبة " كمكان لانتشار التطريز، أما المناطق الوسطى فالتطريز يكون على كامل الثوب، أما مناطق الجنوب فقد أتخذت طابع الثوب " السبعاوي " الذي يكون فيه التطريز كثيفا".

و أكثر الألوان المستخدمة في تطريز الثوب الفلسطيني هو الأحمر والقرمزي على خلفية سوداء وأحيانا يتم استخدام ألوان مزركشة كالأصفر والفوشيا التي تدل على الفرح.

وتختلف أشكال الثوب من منطقة لأخرى فعلى سبيل المثال ثوب بئر السبع يمتاز باللون الأحمر المزخرف بألوان زاهية، وهو غني بالتطريز على الردف والجوانب من الأمام والخلف، وعلى الأكتاف وخلف الرقبة قماش من "الصايا".  

أما ثوب سلمة، وهي قرية قضاء يافا، فالتطريز يكون كثيفا على الردف والأكمام من الجهتين الأمامية والخلفية، القبة مربعة الشكل، ويستعمل اللون الليلكي والأخضر مع الأحمر ليصبح أكثر اتقانا.

أما ثوب قضاء بئر السبع فمعظمه مغطى بالتطريز وبالألوان الزاهية مع رسومات على شكل مناجل على الجوانب، واستعملت الصايا على الأكتاف.

غياب القيمة التراثية

ترى نور ان الاقبال على لبس الثوب اصبح مقتصرا على المناسبات، فأصبحت النساء وخصوصا الأجيال الحديثة تتجه في لباسها إلى الألبسة المختلفة المستوحاة من الحضارات الأخرى فنجد القليلات اللاتي يلبسن هذا اللباس أو يعرفن مدى قيمته أو السر الذي يدور في ثناياه، ويجب علينا وخاصة نحن من يعرف قيمة هذا الثوب أن نشجع بناتنا على لبسه وتوعيتهن بما يميز هذا الثوب عن غيره.

 ولكن نستطيع القول أن حضارة شعب لن تندثر بل ستبقى، وستبقى الأيام تحكي حكاية هذه الحضارة للأجيال على مر العصور.