الحرب على الذاكرة والوعي: معركة الرموز في الضفة
بقلم: د. باسم التميمي

تشهد مدن الضفة الفلسطينية وقراها، من شمالها إلى جنوبها، فصلاً جديداً من فصول الصراع، لا يُقاس هذه المرة بعدد الرصاصات أو حجم الاعتقالات فحسب، بل يمتد ليتخذ شكلاً بصرياً وثقافياً حاداً. فالحملة العسكرية الواسعة والمباشرة التي أطلقها جيش الاحتلال الإسرائيلي في أوج اقتحاماته الأخيرة، والتي طالت محافظات جنين، ونابلس، ورام الله، وصولاً إلى الخليل ودورا وقراها، لم تكن مجرد إجراءات أمنية عابرة أو ردود فعل مؤقتة، بل هي ترجمة ميدانية لقرار استراتيجي يهدف إلى تدمير النصب التذكارية وإزالتها، واقتلاع ساريات الأعلام، وطمس اللوحات الجدارية للشهداء في الميادين الرئيسية.
يتجاوز هذا التصعيد، الذي يحظى بمباركة وتحريض علني مكثف من قِبل وزراء اليمين المتطرف ونوابه في الكنيست، في حقيقته البُعد المادي المتمثل في هدم صروح الحجر والإسمنت؛ إذ إن الجوهر الفعلي لهذه الحملة هو "الحرب الممنهجة على الذاكرة والوعي الفلسطينيين". ويسعى الاحتلال من خلال هذا التجريف البصري إلى صياغة مشهد عام خالٍ من أي مظاهر سيادية أو رموز وطنية، محاولاً تفكيك الروابط الوجدانية والتاريخية التي تربط المواطن الفلسطيني بأرضه وبتضحيات شهدائه. إنها محاولة لإحداث عملية "تطهير رمزي" للمجال العام، تُفرض فيها رواية المحتل بقوة السلاح، ويُحظر فيها على الضحية مجرد إشهار أدوات ذاكرتها الجماعية.
وقد تجلت هذه السياسة بوضوح في جنوب الضفة الفلسطينية، لا سيما في محافظة الخليل ومدينة دورا والبلدات المحيطة بها؛ حيث تزامنت عمليات اقتلاع الساريات وهدم النصب مع فرض إغلاقات وحظر تجوال، وتهجير لآلاف الفلسطينيين في مدينة الخليل، مما يعكس رغبة حثيثة في فرض سيطرة أمنية وبصرية مطلقة تشعر المواطن بالعجز والاختناق داخل فضائه اليومي. ورغم محاولات الاحتلال المستمرة لتبرير هذه الاعتداءات تحت ذرائع واهية تسوقها وسائل إعلامه العبرية، مثل ملاحقة ما يسميه "بنى تحتية للتحريض" وتوجيه تهديدات مباشرة للمواطنين، فإن الواقع يثبت أن الاستهداف يطال الرمزية ذاتها؛ لارتباطها الوثيق بروح النضال الوطني وتعزيز صمود الإنسان الفلسطيني.
إن هذه المعركة الصامتة على الوعي تضع الرواية والذاكرة الفلسطينية في خط المواجهة الأول. فالجداريات، والنصب التذكارية، وساريات الأعلام، وصور الشهداء المقامة بجهود شعبية وبلدية في الميادين والساحات ليست مجرد زينة للميادين، بل هي وثائق حية تؤرخ لمسيرة المعاناة والنضال، وتحافظ على ديمومة الوعي الوطني عابراً للأجيال. وتؤكد المواقف الشعبية في عموم الضفة الفلسطينية أن أدوات التدمير والتشويه لن تفلح في طمس هذه الذاكرة العصية على المحو، وأن الوعي المتجذر في القلوب والوجدان أعمق بكثير من أن تطاله جرافات الاحتلال، فالرموز الوطنية تولد من جديد مع كل محاولة لإلغائها.
مواضيع ذات صلة
الحرب على الذاكرة والوعي: معركة الرموز في الضفة
المسكوت عنه!
"دانييلا فايس" في مركز المشروع الصهيوني الديني
من الذي يقول إن التصويت العربي بلا فائدة؟
من ذاكرة السابع من أكتوبر إلى معركة الوعي: ماذا تريد الجزيرة من الجمهور؟
الصوت العربي يعيد رسم الخريطة السياسية الإسرائيلية: هل أسقطت المشاركة الانتخابية المرتفعة أغلبية نتنياهو؟
انتخابات الكنيست .. خابت تحرضات نتنياهو