المسكوت عنه!
تغريدة الصباح- حسن حميد

قرأت الفلسفة، فاقتنعت بأن الإنسان جُبل على المحبة، وأنه ينفر من الألم، وأن فطرته هي الاجتماع، وعمله هو الخير، وقلبه لا يدقّ للشر، بل يدقّ لهوله، وأن السلوكيات البغيضة ليست سوى أصبغة وخداع ومواجع للنفس، وزوائد لا تعريف لها سوى أنها زوائد، ومآلها التبدد والمحو والذوبان.
أستهل بهذا القول وأنا أقرأ سيرة الكاتبة الإيرلندية سالي روني (1991)، التي حازت شهرة واسعة خلال عشر سنوات فقط، بعد صدور روايتين لها هما: «المحادثات مع الأصدقاء» و«أشخاص عاديون»، ثم ازداد حضورها الأدبي بعد صدور روايتها الثالثة «أيها العالم الجميل، أين أنت؟» عام 2021، التي كانت الرواية الأكثر مبيعاً في تلك السنة. وتعزز حضور سالي روني أكثر عندما انتقلت روايتها «أشخاص عاديون» إلى عالم الصورة، وبُثّت في حلقات تلفزيونية حظيت بمشاهدات واسعة.
كل هذا يبدو عادياً بالنسبة إلى كاتبة اجتهدت وساهرت تجربتها لتكون مضاءة ومعروفة، ولكن غير العادي أنها ضحّت بهذه الشهرة والمعروفية حين جهرت بآرائها تجاه ما يحدث في فلسطين، فقالت بعلو الصوت: ما يقوم به الإسرائيليون في فلسطين هو إبادة جماعية، وخنق لشعب حضاري لا تعريف له في معاجم التعريف الخاصة بالشعوب والأمم سوى أنه شعب عشق العمران، فصارت الحياة لديه أعمالاً وأحلاماً دائمة.
قلت: لقد ضحّت سالي روني بشهرتها لأنها كانت تعلم أنها ستواجه مشكلات كثيرة بسبب هذه الآراء؛ فأنصار الكراهية والبغض للحق والعدالة والسلام تكاثروا، وزادت الحملات الإعلامية ضدها حين رفضت ترجمة روايتها «أيها العالم الجميل، أين أنت؟» إلى اللغة العبرية من قبل دار النشر الإسرائيلية «مودان». وقالت: «أنا لن أخون قناعاتي، فأنا متضامنة مع الشعب الفلسطيني الذي يُقتل أبناؤه، وتُدمّر قراه ومدنه، وهو لا يريد سوى الحرية والعدالة والمساواة. فبأي حق تُمنع عنه الحرية والعدالة والمساواة؟».
ثم ازدادت الحملات ضدها حين وقّعت على بيانات عالمية عدة دعت إلى إنهاء الدعم الذي تقدمه القوى العالمية لإسرائيل وجيشها، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية. وأصدرت بياناً خاصاً حمل اسمها، دعت فيه الدول الغربية إلى قطع العلاقات التجارية والاقتصادية والثقافية مع إسرائيل. وهنا اجتمعت حملات إعلامية إسرائيلية ضدها؛ فقامت مكتبات «ستيماتسكي» الإسرائيلية، بفروعها الـ130، بإزالة أعمالها من مواقعها، كما امتنعت دار النشر «تسوميت سفاريم»، التي تملك نحو 90 فرعاً، عن التسويق لمؤلفاتها.
ولم يزعزع كل ذلك قناعاتها، بل أعلنت أنها ستدعم، من خلال عوائد حقوق مؤلفاتها، منظمة «أكشن فلسطين»، المحظورة أنشطتها في بريطانيا. الأمر الذي حدا بالسلطات البريطانية إلى اتخاذ قرار بمنع كتبها من التداول والتوزيع. وقد استدعى كل ذلك من كتاب عالميين، بعضهم من الحائزين على جائزة نوبل، أن يرفعوا أصواتهم احتجاجاً على ما تتعرض له هذه الكاتبة الشابة. فكتبوا بياناً أدانوا فيه ما تتعرض له سالي روني، ومن بينهم آني إرنو وج. م. كوتزي، ووصفوا ما يحدث بأنه انتهاك صريح لحرية التعبير، مؤكدين أن سالي روني كاتبة وليست إرهابية، وأن ما تتعرض له يمثل جريمة ثقافية وعسفاً قبيحاً.
هذه مجريات واستطالات الخبر الطويل الموجع الذي تعرضت له الكاتبة سالي روني، وهو خبر فاقع في وقاحته؛ إذ باتت أنشطتها وفعالياتها الثقافية محظورة في بلادها والعالم، ولا سيما في الولايات المتحدة الأمريكية. وأخبار ملاحقتها والتضييق عليها وشلّ حراكها الثقافي، وتهديد دور النشر بعدم التعامل معها، أخبار منتشرة. ولكن في المقابل، انتشرت الدعوات والبيانات المطالبة برفع الحظر عنها، لأنها تملك الحق في التعبير وقول الحقيقة، ولها الحق في الخروج على اعتيادية النفاق المستمر تجاه الكيان الإسرائيلي في البلاد الغربية. وهذا الفعل ليس جريمة ولا عاراً، بل هو عودة إلى الواقع الذي يقول الحقيقة بوضوح شديد: إن الشعب الفلسطيني يدافع عن حقه في السيادة على أرضه، وعن حقه في الحرية والعدالة.
وقد قلت هذا كله لأبين للقارئ الكريم أن دائرة الشر كبيرة، وأنها تتسع بسبب امتلاك القوة الغاشمة، وأن القيم النبيلة تهوي وتتوارى، فيما يغيب القانون الدولي في مشهد مريب. لذلك غدا نضال الشعب الفلسطيني، الذي يتعرض للإبادة والمجازر والتشريد والتهجير القسري على يد الإسرائيليين، إرهاباً، وغدت كاتبة تقول الحقيقة، مثل سالي روني، إرهابية، وغدا كل من وقف إلى جانبها إرهابياً أيضاً. بلى، لقد فسد الهواء!
وهنا أقف لأرى المشهد من زاوية أخرى، ولا أعني بالمشهد سوى المشهد الثقافي العربي، لأسأل: أين الصوت الثقافي العربي تجاه حالة ثقافية كهذه، وهي بادية في شرها وعنصريتها؟ وأين اتحادات الكتاب العربية؟ وأين الناشرون العرب؟ وأين الكتاب بوصفهم ضمير الأمة؟
أقول هذا لأنني على قناعة بأن كتم أصوات الأدباء والفنانين والمثقفين والمفكرين والإعلاميين والأكاديميين في العالم سيتواصل، وأن الضغوط عليهم ستكون كبيرة كي لا يقولوا الحقيقة، وكي لا يفضحوا ممارسات الإسرائيليين وما يفعلونه في البلاد الفلسطينية، وهي بلاد عمران وحضارة وقداسة، وكي لا يقولوا إن ما يحدث أمام كاميرات التلفزة هو إبادة جماعية!
سالي روني مثال سبقته أمثلة كثيرة جسّدها غونتر غراس، وجوزيه ساراماغو، وروجيه غارودي، ونعوم تشومسكي، وأرونداتي روي، وإيلان بابيه، وتوني كوشنر، ويعقوب كوهين، ويانيس فاروفاكيس، وماركيز، وتشيماماندا نغوزي أديتشي، وماريو فارغاس يوسا، وإسرائيل شاحاك، وشلومو ساند، ونورمان فينكلشتاين... إلخ. وسوف تتبع سالي روني أسماء أدبية وفنية وأكاديمية كثيرة؛ لأن لوثة الخوف من المطارق الإسرائيلية قد مُحيت، بعدما صار الصمت عاراً، والتواري وراء الأصابع لعبة خداع زائفة وساذجة!
سالي روني كاتبة إيرلندية، صاحبة قلب شجاع ورؤية صائبة، وعَتْ ما يحدث حقاً في بلادنا الفلسطينية العزيزة، فجهرت بما أراد الغرب السكوت عنه طوال عقود عمّها الظلام الأسود!
مواضيع ذات صلة
"زئير يهودا" في الخليل.. عقيدة "الإخلاء السكاني" والنموذج الأخطر لتهجير الضفة
ستون غراما.. حين يصبح الزيتون مسألة سيادة
الوجود والتعاقب الحضاري.. (الشاهد الملك)
الحرب على الذاكرة والوعي: معركة الرموز في الضفة
المسكوت عنه!
"دانييلا فايس" في مركز المشروع الصهيوني الديني
من الذي يقول إن التصويت العربي بلا فائدة؟