650 يومًا أرهقت وجه جنين...

جنين- الحياة الجديدة- عبد الباسط خلف: يحصي الأربعيني أحمد الشيخ إبراهيم أيام الحصار والعدوان الواسع على جنين ومخيمها وريفها.
ويشير إلى أن جنين أكملت، أمس الاثنين، 650 يومًا من العدوان، تعادل سنة وتسعة أشهر و12 يومًا، أو 92 أسبوعًا وستة أيام، وتبلغ 21 شهرًا و12 يومًا، وفق تقديره.
ويقول لـ«الحياة الجديدة» إن وجه جنين تغير 180 درجة؛ فقد انقلب كل شيء رأسًا على عقب، وما عادت المحافظة تشبه نفسها. فقد شلّها الحصار، وعاد إليها الاستيطان، وتحولت الحياة فيها إلى «قطعة من الجحيم»، فيما لا يزال أهالي المخيم ينتظرون العودة إلى بيوتهم.
ويؤكد الشيخ إبراهيم أن أهالي المحافظة توقفوا، على الأغلب، عن إحصاء عدد أيام العدوان، فقد تغيرت الأحوال فيها تمامًا، ويسابق الاحتلال الزمن.
ورصدت «الحياة الجديدة»، في نيسان 2026، مشاهد آخر مرة سمح فيها جيش الاحتلال لأهالي مخيم جنين بالعودة المؤقتة إلى منازلهم لتفقد مقتنياتهم، وهي مشاهد لم تتكرر بعدها.
درب طويل
ويومها، كان السبعيني أسعد عويس وزوجته يحلمان بالوصول إلى بيتهما في أطراف مخيم جنين، لكن مزاج جنود الاحتلال أعادهما أدراجهما، رغم إعلان السماح لـ120 مواطنة بالدخول إلى منازلهن لوقت قصير، وإحضار ما تيسر لهن من مقتنيات.
وقال عويس حينها، وهو يجلس خلف مقعد سيارته البيضاء، على بعد خطوات من شارع جانبي للمخيم، إنه يتمنى الوصول بمركبته إلى بيته ومتجره، بفعل الإعاقة التي تلازمه.
وباح لـ«الحياة الجديدة» بأنه أقام بيته على أرض مساحتها دونمان عام 2017، وأسس متجرًا بثلاثة أبواب قبل وقت قصير من العدوان الواسع. وعندما أُجبر على النزوح، لم يأخذ معه سوى بطاقته الشخصية، وترك كل شيء خلفه: منزله وتجارته.
وكان عويس، المنحدر من قرية السنديانة جنوب حيفا، يشعر بالمرارة لفقدان منزله ومتجره الواسع، واضطراره إلى الانتقال إلى بيت مؤقت في قرية كفر قود، غرب جنين.
ومن جانبها، عبّرت النازحة عبلة الرخ، في وقت سابق، عن أن الوصول إلى بيتها في حارة الحواشين أشعل النار في قلبها، بعد أن تحولت منازل عائلتها وجيرانها إلى كومة من الركام.
وأفادت حينها بأنها كانت تقيم في بناية كبيرة برفقة أولادها: علي ورياض ومهند، إضافة إلى 14 حفيدًا، لكنها باتت تتوزع على ثلاثة مواقع في إسكانات الجامعة.
وروت لـ«الحياة الجديدة»، بألم، مشاهد الدمار الكبير في المخيم، الذي تغيرت معالمه، مشيرة إلى أنها بالكاد تمكنت من إحضار بعض المقتنيات من محيط منزلها الذي أصبح كومة من الركام.
ووصفت خسارة البيت بأنها «قاسية جدًا»، فقد كان بالنسبة إليها كل شيء، لكنها شاهدت أيضًا عشرات البيوت التي ما زالت صامدة.
ووفق بيانات غير نهائية أصدرتها اللجنة الشعبية للخدمات، فإن نحو 17 ألفًا من أهالي المخيم أخرجهم العدوان المتواصل إلى بلدات مجاورة، أو توزعوا على أحياء المدينة، أو طرقوا أبواب أقاربهم.
ستة أشهر ثقال
في المقابل، يجلس المزارع محمد العارضة تحت شجرة زيتون، وكأنه يحمل هموم الدنيا فوق رأسه.
ويقُصّ لـ«الحياة الجديدة» ما حلّ بمزرعته من دمار وتجريف، ويقول بصوت حزين إن بلدته عرابة، جنوب جنين، رأت الأهوال خلال بضعة أشهر.
ويعتقد أن ما حلّ بالبلدة في أقل من ستة أشهر لم تشهده طوال سنوات الاحتلال، الذي نفذ فيها أشكالًا متعددة من العدوان، شملت إقامة مستوطنات وبؤر رعوية ومعسكر، إلى جانب الهدم والتجريف والمصادرة واقتلاع أشجار الزيتون، ونصب البوابات، وهجمات المستوطنين وعربدتهم والتنكيل بالسكان.
وفيما يلخص مسؤول وحدة مقاومة الجدار والاستيطان في محافظة جنين، طارق غباري، في ركن صغير بمقر عمله، أحوال جنين خلال 650 يومًا ثقيلة على المدينة ومخيمها وريفها، تتكشف صورة أخرى من تداعيات العدوان.
"سرطان" يتفشى!
ويقول غباري لـ«الحياة الجديدة» إن عشر مستوطنات وبؤرًا في جنين أصبحت تحيط بالمحافظة عقب العدوان الطويل، وهي: «عيمك دوتان» بالقرب من بلدة عرابة، و«روم جلبوع» على تخوم قرية المغير شرق جنين، و«ميعينوت» بالقرب من قريتي عرانة وفقوعة شرق جنين، و«نوعا» فوق أراضي بلدة قباطية جنوب جنين، و«شرق صانور» بجوار مستوطنة ترسلة، و«تعناخ» بالقرب من تعنك وسيلة الحارثية، و«ألوني شمرون» بالقرب من خربة الخلجان غرب جنين، و«هار بيزك» على تخوم قرية رابا. ويواصل: هناك مستوطنة فوق جبل حريش في بلدة جبع، ومستوطنة صناعية ستقام على أراضي خربة سروج في بلدة اليامون غرب المدينة، وأخرى بين قريتي طورا وأم دار.
ويضيف، بنبرة متعبة، أن الاحتلال عاد خلال العدوان الطويل إلى أربع مستوطنات كان قد أخلاها عام 2005، هي: «قديم» و«جانيم» شرق جنين، و«صانور» (ترسلة) جنوبها، و«حومش» على أراضي جنين ونابلس.
ووفق غباري، فإن الاحتلال غرس ست مستوطنات في خاصرة جنين منذ سنوات، هي: «وتان» و«مابو دوتان» و«حنانيت» و«شاكيد» و«ريحان» و«تل منشيه»، ومعظمها على أراضي يعبد وقراها، وفوق أراضي بلدة عرابة.
ستة معسكرات و30 بوابة
ويرسم غباري خريطة قاسية أخرى لتوزيع ستة معسكرات باتت تخنق جنين، هي: «مابو دوتان» على مدخل بلدة عرابة، و«صانور»، ومعسكر ثالث على أراضي قباطية قرب قرية حداد السياحية، ورابع في حي الجابريات وسط المدينة وفوق المخيم، وخامس قرب قرية رابا، إضافة إلى معسكر قرب بلدة اليامون أقره الاحتلال ولم يبدأ العمل به.
ويشير إلى أن جنين خسرت، خلال 21 يومًا، 580 دونمًا من أراضيها في سيلة الظهر وعرابة ويعبد وجبع ورابا والمغير وقباطية وفقوعة ومركة ومسلية ودير غزالة وجلبون واليامون وأم دار وحي الجابريات.
ويرسم غباري صورة قاتمة لمدينة كانت تعاني، قبل عدوان شتاء 2025، من عشر بوابات، لكنها باتت اليوم محاصرة بـ30 بوابة جديدة أقيمت في غضون أشهر قليلة.
ويقدم لائحة بالبلدات والقرى والأحياء في المحافظة التي تحولت إلى سجون، إذ تضم بلدة يعبد ثلاث بوابات، وبجوارها قرية كفيرت بوابة واحدة، فيما أقيمت أربع بوابات في بلدة عرابة، وبوابة واحدة في كل من قرى بير الباشا ووادي دعوق وفحمة والزاوية، وعند مدخل مكب زهرة الفنجان، وفي سيلة الظهر وضاحية الجنان. كما أقيمت بوابتان في حي السويطات من جهة دوار قرية حداد السياحية، وبوابة عند مدخل خربة سبعين، ومثلها في حي الألمانية ومحيط دوار «النسيم» شرق جنين، وعند مدخلي عابا الشرقية وجارتها الغربية، وعند مدخل بلدة دير أبو ضعيف من جهة دوار مرج ابن عامر، وعند مدخل حي الألمانية من جهة الدوار ذاته.
وتشمل البوابات أيضًا مدخل قرية عرانة شرق جنين، ومدخل حي الخروبة من جهة دوار عرانة، ومدخل ضاحية صباح الخير من جهة دوار البستان، إضافة إلى ثلاث بوابات تطوق مخيم جنين منذ أشهر.
ويشير غباري إلى أن المحافظة تعاني منذ 92 أسبوعًا من تداعيات المستوطنات والمعسكرات وجدار الضم والتوسع والفصل العنصري، والبوابات التي تهدد مختلف أشكال الحياة، والطرق التي تعزل 70 ألف إنسان جنوب غرب جنين، في محافظة يقطنها قرابة 435 ألف مواطن.
ويجمل غباري المشهد بالقول: "خسرت محافظتنا 53% من مساحتها خلال عدة أشهر، كما اقتلع المحتلون 36 ألف شجرة زيتون، ونصبوا 26 حاجزًا ثابتًا ومتنقلًا".
مواضيع ذات صلة
650 يومًا أرهقت وجه جنين...
الخليل تختنق تحت الحصار منذ 10 أيام متواصلة والاحتلال يهدد بتوسيع عدوانه
"الاقتصاد الوطني" ونقابتا المواد الغذائية والمخابز: استقرار أسعار السلع الأساسية خلال الشهر الجاري
الاحتلال يقتحم بلدة عتيل شمال طولكرم
سلطة النقد تبحث في باريس حشد دعم مجموعة السبع لحماية علاقات المراسلة المصرفية ومعالجة فائض الشيقل
"اتحاد المعلمين" يطالب بتحرك نقابي وحقوقي دولي لوقف انتهاكات الاحتلال بحق التعليم في الخليل