من ذاكرة السابع من أكتوبر إلى معركة الوعي: ماذا تريد الجزيرة من الجمهور؟
مريم شومان

لست بصدد مناقشة السابع من أكتوبر، ولا إعادة فتح النقاش حول تفاصيل العملية وكيفية التخطيط لها أو تنفيذها. وقد لا يعجب هذا المقال الكثيرين من مريدي قناة الجزيرة، والمتربصين بكيل عبارات التخوين والطعن في وطنية كل من يخالفهم الرأي. وقد يهاجمني ذوو العاطفة ممن يتحدثون عن النضال والمقاومة ولا يمارسونهما، ويحترفون تبنّي الشعارات من وراء شاشات هواتفهم.
لقد تجاوزنا هذه المرحلة منذ زمن، أو كان يفترض أن نكون قد تجاوزناها. فبعد أكثر من ثلاثة أعوام، لم يعد السؤال الأهم: كيف جرت العملية؟ ومن اتخذ قرارها؟ وما الذي دار في اجتماعات قيادات القسام؟ بل: ماذا ترتب عليها؟ ومن الذي دفع ثمنها؟ وإلى أين وصلت القضية الفلسطينية بعدها؟
لكن حلقة برنامج «ما خفي أعظم» التي بثتها الجزيرة مساء الجمعة أعادت طرح سؤال مختلف: لماذا تصرّ القناة على استعادة السابع من أكتوبر من الزاوية ذاتها، وإبقاء الجمهور أسيراً لتفاصيل التخطيط والقيادات العسكرية، بدلاً من تقديم قراءة شاملة لما حدث وما أعقبه؟
الحلقة، بما عرضته من تسجيلات وصور ووثائق ومشاهد لاجتماعات قيادات حماس العسكرية، أعادت محمد الضيف وقيادات القسام إلى مركز المشهد، ضمن سردية تمنحهم مساحة واسعة من الحضور والتفاصيل والرمزية. ولم تتوقف عند البث التلفزيوني، بل أعادت توزيع المقاطع والصور عبر صفحاتها على منصات التواصل الاجتماعي، لتتحول المادة إلى موجة جديدة من التداول والسجال.
المشكلة ليست في نشر الوثائق أو توثيق الوقائع، وإنما في الاختيارات التحريرية وما تبرزه وما تتركه خارج الكادر. فبينما تظهر القيادات بمسمياتها ووجوهها وتفاصيل اجتماعاتها، يتحول عشرات آلاف الشهداء الفلسطينيين إلى أرقام، وتغيب عن مركز الرواية غزة التي دُمّرت أحياؤها، والعائلات التي فقدت أبناءها ومنازلها، والمجتمع الذي لا يزال يدفع أثمان الحرب الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية.
أي مفارقة أن نخصص هذه المساحة لاستعادة تفاصيل اجتماعات التخطيط، بينما لا تحظى تبعات القرارات ونتائجها بالاهتمام نفسه؟ وأين غزة في هذه الحكاية؟ وأين الدمار والنزوح وانهيار مقومات الحياة؟ وأين الضفة الغربية والقدس المحتلة، حيث تتواصل الاقتحامات والاعتداءات والاستيطان وانتهاكات الاحتلال؟ وأين المسجد الأقصى الذي استُحضر باعتباره أحد عناوين السابع من أكتوبر؟
ولماذا الآن؟
لا يمكن تجاهل توقيت الحلقة في ظل الاستعداد للاستحقاق الانتخابي الفلسطيني المقرر في أيلول من العام المقبل. ولا يعني ذلك وجود دليل على تنسيق بين الجزيرة وحماس، أو أن الحلقة أُعدّت بالضرورة لخدمة هدف انتخابي، لكن من المشروع التساؤل عن دلالات استعادة الرموز العسكرية للحركة في هذه المرحلة، وعن أثر ذلك في إعادة بناء رصيدها الرمزي والسياسي.
فالمعركة الانتخابية لا تبدأ يوم الاقتراع، بل تبدأ قبل ذلك من خلال تشكيل الانطباعات، واستدعاء الرموز، وإعادة ترتيب الذاكرة الجماعية. وعندما تُقدَّم قيادات حماس العسكرية بهذه المساحة من الحضور، ثم تُضخَّم مشاهدها عبر المنصات الرقمية، فإن المادة تتجاوز حدود التوثيق لتصبح قابلة للتوظيف السياسي، بصرف النظر عن النوايا المعلنة.
المسألة أعمق من حلقة تلفزيونية؛ إنها تتصل بدور الجزيرة على مدى أكثر من ثلاثة عقود في تشكيل الرأي العام العربي، وتحديد زوايا النظر إلى الأحداث والفاعلين السياسيين. فالإعلام لا يؤثر فقط بما ينشره، وإنما أيضاً بما يختار إبرازه، وبما يهمشه، وبالسياق الذي يضع فيه المعلومات. وهذا ما يُعرف بالتأطير الإعلامي، حين يُقدَّم الحدث من زاوية محددة تؤثر في فهم الجمهور له، وفي تحديد من يستحق البطولة أو المساءلة، وما الذي ينبغي أن يتصدر الاهتمام، وما الذي يتراجع إلى الهامش.
ومن هنا، فإن السؤال بشأن الجزيرة لا يتعلق فقط بما عرضته، بل بما غاب عن عرضها، وبالتوازن بين رواية القيادات العسكرية ورواية المجتمع الفلسطيني الذي لا يزال يتحمل النتائج. وهل نحن أمام إعلام يوثق التجربة الفلسطينية بكل تناقضاتها، أم أمام سردية تمنح الأولوية للرموز العسكرية واللحظات الاستثنائية، وتترك أسئلة المسؤولية والمآلات في مساحة أقل حضوراً؟
إن استمرار هذا النهج يفتح النقاش حول الأجندة السياسية والإقليمية التي قد تتقاطع معها هذه السرديات، ودور الشبكة في إعادة تشكيل تصورات الجمهور العربي عن موازين القوى ومستقبل الشرق الأوسط. فالتأثير الإعلامي لا يتوقف عند نقل الخبر، بل يمتد إلى صناعة المعنى الذي يمنحه الجمهور له.
وقد كان لافتاً أن الحلقة لم تنتهِ عند شاشة التلفزيون، بل انتقلت إلى «فيسبوك»، حيث انقسم الجمهور بين من رأى فيها توثيقاً لتاريخ المقاومة وكشفاً عن تفاصيل مهمة، ومن اعتبرها محاولة لإعادة تسويق حماس وقياداتها وتجاوز مسؤولية القرار ونتائجه، فيما ربط آخرون توقيتها بالاستحقاق الانتخابي المقبل.
لكن السجال سرعان ما تحوّل، في كثير من مساحاته، إلى معركة بين مؤيد لحماس ومعارض لها، وبين من يدافع عن العملية ومن يحمّل قيادتها المسؤولية. وهكذا تراجعت الأسئلة المتعلقة بمصير غزة ومستقبل القضية، وحلّت محلها الاتهامات والتخوين والاصطفافات.
هنا تحديداً تحقق الجزيرة مكاسب إعلامية واضحة: تعزيز حضورها بوصفها مصدراً للمواد الحصرية، وتوسيع انتشار محتواها، وإبقاء روايتها في مركز النقاش، حتى عندما يكون التفاعل معها نقدياً. وعلى شاشة الجزيرة، تتحول المأساة إلى مادة لاستقطاب الجمهور وإثارة عاطفته، بدلاً من أن تكون مدخلاً لمناقشة مسؤولة بشأن القرارات والنتائج والمستقبل.
والأخطر أن لغة العاطفة والتهويل تجعل مساءلة القيادات والخيارات السياسية والعسكرية موضع اتهام، وكأن المطالبة بالمراجعة تعني التخلي عن فلسطين أو عن حق شعبها في مقاومة الاحتلال. وهذا خلط لا يخدم القضية، بل يعمّق الانقسام ويضعف قدرة الفلسطينيين على بناء رؤية مشتركة لمستقبلهم.
لقد أصبح من الفائت جداً أن يبقى النقاش الفلسطيني والعربي أسيراً لاستعادة تفاصيل العملية وصور القيادات واجتماعات التخطيط. المطلوب اليوم أن نناقش النتائج والمآلات، وأن نعيد الإنسان الفلسطيني إلى مركز الرواية، وأن نطرح أسئلة المسؤولية والمحاسبة دون خوف أو تخوين.
وإذا كانت الجزيرة معنية فعلاً بتوثيق التاريخ الفلسطيني، فعليها أن تتسع روايتها لكل جوانب هذا التاريخ، لا أن تنتقي منه ما يعزز صورة طرف سياسي، أو يعيد إنتاج رموزه، أو يُبقي الجمهور في دائرة الانفعال والاستقطاب.
ففلسطين أكبر من حماس، وأكبر من قياداتها، وأكبر من السابع من أكتوبر. وهي ليست ملكاً لقناة تلفزيونية، ولا لفصيل سياسي، ولا لأي جهة ترى في معاناة الفلسطينيين فرصة لتكريس نفوذها أو توسيع حضورها. والسؤال اليوم ليس فقط: ماذا أخفت قيادة القسام قبل السابع من أكتوبر؟ بل: ماذا لا تزال بعض وسائل الإعلام تختار أن تغيّبه عن وعي الجمهور بعده؟
مواضيع ذات صلة
"زئير يهودا" في الخليل.. عقيدة "الإخلاء السكاني" والنموذج الأخطر لتهجير الضفة
ستون غراما.. حين يصبح الزيتون مسألة سيادة
الوجود والتعاقب الحضاري.. (الشاهد الملك)
الحرب على الذاكرة والوعي: معركة الرموز في الضفة
المسكوت عنه!
"دانييلا فايس" في مركز المشروع الصهيوني الديني
من الذي يقول إن التصويت العربي بلا فائدة؟