جغرافيا الزيتون الفلسطيني (الحلقة 9)
زيتونيات - فياض فياض

محافظة سلفيت.. "قلم الزيت" وعاصمة الالتزام الفني والعمل التعاوني المحاصر بالاستيطان
نختتم اليوم، في الحلقة التاسعة من "قسم أبحاث الزيتون"، جولتنا الشاملة في محافظات شمال الضفة الفلسطينية المحتلة، وقد سقط سهوًا أن نشير إلى أن زيتون محافظة طوباس والمعصرتين الموجودتين في بلدة "عقابا" نتعامل معهما في إحصائياتنا ضمن بيانات محافظة جنين، لنحط الرحال في المحطة الأكثر انضباطًا وتميزًا في الوعي الإرشادي؛ في محافظة سلفيت، عاصمة الزيتون التاريخية، لنغلق بذلك ملف الشمال، تمهيدًا للانتقال الجغرافي القادم نحو محافظات الوسط والجنوب.
ورغم أن لغة الأرقام والمصاطب الإنتاجية تضع سلفيت في المركز الخامس دائمًا وأبدًا من حيث حجم الإنتاج الكلي للزيت، فإنها تتربع في المرتبة الأولى من حيث الكفاءة الفنية، والالتزام المجتمعي، والقدرة السيادية على توجيه مؤشرات السوق، ونفند أسرار هذه الخصوصية في ثلاث ركائز ميدانية:
"قلم الزيت" والالتزام الصارم بمواعيد القطاف:
تتميز مدينة سلفيت وبلدة فرخة بوعي أهلي وفلاحي منقطع النظير؛ فهي المحافظة الأكثر التزامًا وتطبيقًا للمواعيد الرسمية والصحيحة للقطاف التي تصدرها الجهات الفنية المنبثقة عن اللجنة الزراعية الخاصة بالمحافظة، آخذين بعين الاعتبار الظروف الخاصة بجغرافيتهم.
مزارعو سلفيت لا يستعجلون قطف ثمارهم قبل اكتمال النضج الفسيولوجي، مما يمنح زيتها توازنًا كيميائيًا فائقًا، وتتركز فيه البوليفينولات ومضادات الأكسدة الحية بأعلى مستوياتها الطبيعية. ومن هنا اكتسبت المحافظة هيبتها التجارية؛ فعندما يبدأ القطاف الفعلي في سلفيت وتفتح معاصرها، تتثبت الأسعار المرتفعة العادلة للزيت الجديد في عموم فلسطين، وتستقر بورصته بناءً على جودة منتجها النخبوية.
2. ريادة العمل التعاوني (7 معاصر نوعية):
الركيزة الاقتصادية الكبرى لسلفيت تكمن في نجاح "الحركة التعاونية"؛ حيث تضم المحافظة 7 معاصر زيتون حديثة تتبع بالكامل للجمعيات التعاونية الزراعية. هذا التنظيم التعاوني مكّن المزارع الصغير من الحصول على أفضل التقنيات الهندسية لـ"العصر البارد دون عتبة 28 درجة مئوية"، ونقل المحصول في صناديق بلاستيكية مهواة، مما قطع الطريق على سماسرة الأسواق، وحافظ على رتبة "البكر الممتاز الفاخر" لزيت المحافظة بكفاءة تشغيلية جماعية رائدة.
3. الصمود ومكابدة الاستيطان (المستوطنات تفوق البلدات):
تعيش شجرة الزيتون في سلفيت أشرس مواجهات البقاء؛ حيث تواجه المحافظة واقعًا جيوسياسيًا مرعبًا يتمثل في أن عدد المستوطنات الجاثمة فوق أراضيها بات يفوق عدد قراها وبلداتها الأصلية. هذا الحصار الخانق والتجريف المستمر للأشجار المعمرة في بروقين وديراستيا ومحيطها لم يثنِ الفلاح الكرمي والسلفيتي عن التشبث بأرضه؛ بل تحول موسم القطف هناك إلى ملحمة صمود وطني يواجه فيها المزارعون آلات البطش بنظام "العونة الأهلية" لحصاد ذهبهم الأخضر من قلب الطوق الاستيطاني.
إن المؤشر الجغرافي السيادي لزيت سلفيت لا تصنعه كمية الأطنان، بل تصنعه جودة كيميائية فائقة، و"قلم زيت" يضبط إيقاع البورصة المحلية، وعزيمة فلاحين يعصرون أمانتهم الطبية داخل معاصر تعاونية تحت ظلال الحصار. هذا التميز هو وثيقتنا العلمية التي نرفعها دوليًا في المجلس الدولي للزيتون (IOC) لإثبات قدسية وهوية منتجنا الوطني، تمهيدًا للحلقة العاشرة القادمة التي سننتقل فيها إلى وسط الوطن، وتحديدًا إلى محافظة القدس الشريف وزيتها المقدس.