عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 06 تشرين الأول 2026

هندسة الضم الفعلي.. الاستيطان الهيكلي يُعيد رسم خريطة الضفة لدفن حل الدولتين

د. باسم خضر التميمي

لم يعد التوسع الاستيطاني الإسرائيلي في الضفة الفلسطينية المحتلة مجرد استجابة لضغط ديموغرافي أو امتداد لعشوائيات سكنية تفرضها جماعات متطرفة؛ بل تحوّل إلى هندسة سياسية ممنهجة وإستراتيجية مدروسة تُقاد من أعلى الهرم السياسي، متمثلًا بوزير المالية بتسلئيل سموتريتش.

 وتشير المعطيات الميدانية والتقارير الحقوقية حتى أكتوبر 2026 إلى أن سلطات الاحتلال تسابق الزمن لفرض واقع جغرافي وسياسي لا رجعة فيه، يهدف إلى تقويض فرصة إقامة دولة فلسطينية متواصلة جغرافيًا، والانتقال بالضفة نحو "الضم الفعلي" تحت السيادة الإسرائيلية الكاملة.

تمثل إعادة الهيكلة القانونية والإدارية ومأسسة الاستيطان التحول الأبرز في المشهد الراهن؛ حيث أدى منح سموتريتش صلاحيات واسعة داخل وزارة الجيش للإشراف على ملفات التخطيط والبناء و"الإدارة المدنية" في المنطقة "ج" (60% من مساحة الضفة المحتلة)، إلى تحول بنيوي في تمرير المشاريع الاستيطانية. وبموجب ذلك، قُلّصت صلاحيات وزير الجيش التقليدية في منح التراخيص لصالح وزير المالية، مما سرّع وتيرة المصادقة على المشاريع بشكل غير مسبوق لشرعنة وتقنين أكبر عدد من البؤر والمزارع الاستيطانية قبل الانتخابات المقبلة، وبناء جدار قانوني محلي يصعب تجاوزه مستقبلًا.

تتضح الطبيعة الهيكلية للاستيطان في توزيع البؤر الرعوية والجديدة، إذ اعتمدت إستراتيجية "عكس الخرائط" لتقطيع أوصال الجغرافيا الفلسطينية وخلق تواصل استيطاني؛ فتحولت البؤر الاستيطانية من تجمعات معزولة إلى أدوات لبناء تواصل جغرافي بين المستوطنات الكبرى مقابل القضاء على تواصل الامتداد الفلسطيني. وصيغت هذه الرؤية لتفكيك نموذج "خطة ترامب" التي كانت تمنح الفلسطينيين تواصلًا جغرافيًا؛ فتسعى الحكومة الحالية لخنق الكتلة الحضرية الوسطى، وإعادة تنظيم الحركة في طرق إستراتيجية كالشارع رقم (463) لفصل شمال رام الله عن جنوبها وعزل قراها.

وامتدت هذه الهندسة لفصل جنوب الضفة عبر غرس بؤر استيطانية جديدة مثل "غد نتان" و"معاليه عروغوت" لقطع التواصل الجغرافي بين الخليل وبيت لحم، وحصر تجمعات كالولجة وبتير ونحالين داخل كانتونات مغلقة. ويتكامل هذا مع توسيع كتل الجنوب في "عسائيل" و"بيت حجاي"، ومحاولات استعادة السيطرة شمالًا لإعادة إقامة مستوطنتي "غانيم" و"كاديم" المخلاة سابقًا في جنين.

وبالتوازي، تعمل منظومة الإغلاقات والحواجز (925 حاجزًا بحسب أوتشا) كأداة تكميلية لتثبيت الفصل الميداني. وتؤدي هذه المنظومة وظيفة ديموغرافية واقتصادية لحصر الفلسطينيين في مساحات ضيقة تحاكي نظام "البانتوستانات"، وتقويض الامتداد الديموغرافي والتكامل التجاري، في مقابل ضخ مليارات الشواكل لتطوير بنية تحتية وطرق سريعة تربط العمق الإسرائيلي بالاستيطاني.

أمام هذا التغوّل، يواجه المشروع الاستيطاني رفضًا قانونيًا دوليًا غير مسبوق عبر ثلاثة مسارات: الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية (يوليو 2024) الذي أكد عدم شرعية الوجود الاستيطاني الإسرائيلي واعتباره ضمًا فعليًا ينتهك اتفاقية جنيف الرابعة؛ وقرارات الشرعية الدولية كالقرار (2334) لمجلس الأمن الدولي؛ واتساع الجبهة الحقوقية الدولية (منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش) في تبني توصيف "الفصل العنصري" (الأبرتهايد). هذا الإجماع ينفي ذرائع "الضرورات الأمنية" ويضع الاستيطان في خانة جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.

بناءً على هذه المعطيات، تتأرجح المآلات المستقبلية بين ثلاثة مسارات: أولها "الضم الصامت والكامل" وشرعنة 470 موقعًا استيطانيًا وتحويل الضفة لجيوب معزولة، ما يعني القضاء النهائي على حل الدولتين ومأسسة الأبرتهايد. والمسار الثاني هو تعظيم "كلفة التراجع السياسي" عبر استمرار البناء لجعل خيار الانسحاب مستحيلًا داخليًا للاحتلال بسبب كلفة إخلاء مئات الآلاف من المستوطنين. وهذا الواقع يقود حتمًا للمسار الثالث، وهو "الانفجار الميداني الشامل" نتيجة حشر ملايين الفلسطينيين في كانتونات.

إن ما تشهده الضفة المحتلة يتجاوز مجرد قضم تدريجي للأراضي؛ إنه محاولة إعادة صياغة جيوسياسية شاملة صُممت لمنع ولادة أي كيان فلسطيني مستقل. وفي ظل متانة الموقف القانوني الدولي وقرارات محكمة العدل الدولية، يبقى التحدي الأكبر في تحويل هذه الصكوك القانونية إلى أدوات ضغط سياسي واقتصادي حقيقي يفرض عقوبات رادعة على منظومة الاستيطان وبنيتها التحتية، وإلا فإن الخريطة الجديدة ستفرض نفسها كأمر واقع يؤسس لحقبة طويلة من الصراع المفتوح.

وعليه، فإن مواجهة مخطط "الهندسة الهيكلية" تتطلب تجاوز الإدانات التقليدية نحو إستراتيجية وطنية ودولية شاملة. فلسطينيًا، يتوجب العمل على تحقيق الوحدة الوطنية وتعزيز دور السلطة الوطنية الفلسطينية بما يزاوج بين دورها الخدماتي وكونها أداة تحررية تفرض السيادة الميدانية، وتدعم مقومات صمود المواطنين في المنطقة "ج"، إلى جانب تفعيل المقاومة الشعبية جغرافيًا لكسر العزل بين الكانتونات.

ودوليًا، لا بد من استثمار الصكوك القانونية ومخرجات محكمة العدل الدولية لتحويلها إلى قرارات إلزامية عبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، والضغط لفرض عقوبات اقتصادية وسياسية شاملة على منظومة الاستيطان والشركات المتعاملة معها، بالتوازي مع تفعيل ملاحقة قادة الاحتلال والمستوطنين أمام المحكمة الجنائية الدولية، لضمان قطع الطريق على هذا المخطط ومنع تثبيته ميدانيًا.