المملكة العربية السعودية "خط أحمر"..
سؤال عالماشي- موفق مطر

إن أمن المملكة العربية السعودية وأمن الحرمين الشريفين خط أحمر، وأمنهما جزء لا يتجزأ من الأمن القومي العربي والإسلامي. هذا المبدأ الأساس لموقف دولة فلسطين وقيادتها، وعلى رأسها الرئيس محمود عباس، وحكومتها وشعبها الفلسطيني.
فللمملكة الحق في الدفاع عن أمنها وسيادتها واستقرارها كأي دولة في العالم، فكيف إذا كان في حماها أهم المقدسات (مكة المكرمة) و(الحرمين الشريفين) لأكثر من ملياري مسلم في مشرق الأرض ومغربها وشمالها وجنوبها؟ وتعتبر قاعدة استراتيجية اقتصادية ليس في منطقة الخليج العربي وحسب، بل بالنسبة لدول الوطن العربي والعالم. فالمملكة اليوم تستثمر موقعها في مركز العالم، بفضل سياسة واقعية، وقراءة دقيقة للواقع، ورؤية عميقة بعيدة المدى للمستقبل، بما يمكنها من استقلالية قرارها، وحفظ التوازن في علاقاتها الدولية، وإثبات وجودها كرقم صعب فاعل ومؤثر في القضايا الرئيسة في الشرق الأوسط، على رأسها حق الشعب الفلسطيني في قيام دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، حيث يشهد تمسكها بنصوص المبادرة العربية حتى اللحظة التي طرحتها قيادة المملكة خلال انعقاد القمة العربية في بيروت سنة 2002.
وذهبت لأبعد من حدود الطرح النظري، فترأست مع فرنسا المؤتمر الدولي لتنفيذ حل الدولتين، في 22 سبتمبر من العام الماضي، وخرج بيان من 42 بندًا، أهمها البند الخامس، ونصه: "لن تؤدي الحرب والاحتلال والإرهاب والتهجير القسري إلى تحقيق السلام أو الأمن. وحده الحل السياسي كفيل بذلك.. إن انهاء الاحتلال الإسرائيلي وتنفيذ حلّ الدولتين هما السبيل الوحيد لتلبية التطلعات المشروعة للإسرائيليين والفلسطينيين وفقًا للقانون الدولي، وأفضل السبل لوضع حدّ لجميع أشكال العنف والدور المزعزع للاستقرار الذي تؤديه الجهات من غير الدول والقضاء على الإرهاب والعنف بكل أشكاله، وكفالة أمن الشعبين وسيادة الدولتين، لكي يسود السلام والازدهار والاندماج الإقليمي لصالح جميع شعوب المنطقة".
فيما نص البند السادس على التالي: "وعليه، التزمنا باتخاذ خطوات ملموسة ومحددة زمنيًا ولا رجعة فيها من أجل التسوية السلمية لقضية فلسطين وتنفيذ حلّ الدولتين، وبغية تحقيق ذلك، من خلال إجراءات عملية وفي أسرع وقت ممكن، لإقامة دولة فلسطين مستقلة ذات سيادة وقابلة للحياة اقتصاديًا وديمقراطية، تعيش جنبًا إلى جنب مع إسرائيل في سلام وأمن، بما يمكّن من تحقيق الاندماج الإقليمي الكامل والاعتراف المتبادل".
ومن خلال تركيز الضوء على نصوص إعلان نيويورك، نستطيع قراءة الرؤية الفلسطينية السياسية المنبثقة عن البرنامج السياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية، وما كان لهذا الإنجاز السياسي الدبلوماسي الذي أصبح جزءًا من قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة فيما يخص الحق الفلسطيني أن يحدث لولا الثقة المتبادلة بين قيادة دولة فلسطين التي يمثلها الرئيس محمود عباس وقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.
وفي السياق الذي بدأنا فيه المقال، نعتقد يقينًا أن الهجمات الإرهابية التي تتعرض لها المملكة العربية السعودية تبدو في ظاهرها مرتبطة بالحرب والأحداث القائمة في منطقة الخليج، لكننا نرى من ضمن أهدافها غير المعلنة ضرب قدرة المملكة على الاستمرار بدورها المحوري في تنفيذ قرارات إعلان نيويورك، واستنزاف قدراتها الاقتصادية والعسكرية، والأهم، كما نراه في قائمة الخبث الشيطاني، إضعاف قدرة المملكة على حماية الأماكن المقدسة التي يحج إليها أكثر من مليوني مسلم في أيام الحج المعلومة، عدا ملايين المعتمرين الذين يزورونها خلال العام.
ولم يكن استهداف محيط مكة المكرمة بصواريخ باليستية عملًا إلا في سياق تحقيق هذا الهدف، ونجد في بيان الرئاسة الفلسطينية الصادر في 16 سبتمبر الماضي إدراكًا عميقًا لأبعاد هذا الفعل المنظم والممنهج، فقرأنا التالي: "إن استهداف مكة المكرمة، قبلة المسلمين ومهوى أفئدتهم، يُعد عملًا إجراميًا خطيرًا وانتهاكًا صارخًا لحرمة المقدسات الإسلامية، وتهديدًا لأمن المملكة العربية السعودية وسلامة مواطنيها والمقيمين فيها وضيوف الرحمن".
وفي الوجه الآخر للصورة، نرى أن الهدف من محاولات قصف منشآت الطاقة الاستراتيجية في المملكة بصواريخ باليستية هو إضعاف قدرة المملكة على حفظ توازن أسواق الطاقة العالمية، وبإفشال هذا الهدف تؤكد قيادة المملكة وتبرهن للعالم مكانتها كدولة قادرة على حماية شعبها وأراضيها وثرواتها، وعلى حضورها كشريك مهم مع مجموعة الدول الصناعية السبع، الأمر الذي نرى فيه إمكانية لأن تؤثر المملكة دبلوماسيًا على بعض دول المجموعة وإقناعها بضرورة الاتجاه نحو تنفيذ حل الدولتين وفقًا لبنود إعلان نيويورك.