عذراً هاكابي… أنت لا تفهم القانون الدولي جيداً!
د. رمزي عودة

حين تحدث السفير الأميركي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، عن الاتهامات الموجهة إلى إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية في غزة، اختار أن يدافع عن موقفه بالاستناد إلى ثلاثة أرقام ووقائع رئيسية: مئات شاحنات المساعدات التي تدخل القطاع، ونحو مليون جرعة من لقاح شلل الأطفال، ومعدل نمو سكاني قال إنه يصل إلى نحو 4% سنوياً. وبحسب ما نقلته صحيفه “Ynet”، تساءل هاكابي: كيف يمكن الحديث عن إبادة جماعية بينما دخلت إلى غزة مئات الشاحنات المحملة بالغذاء والأدوية؟ وأضاف أن إسرائيل سمحت بإدخال كميات كبيرة من اللقاحات، مستشهداً أيضاً بالنمو السكاني في غزة.
قد يبدو هذا الكلام مقنعاً في نقاش سياسي عابر، لكنه يطرح مشكلة أساسية عندما يتعلق الأمر بالقانون الدولي. فهذه الوقائع، حتى لو صحت، لا تشكل المعيار القانوني الذي تُحدد على أساسه جريمة الإبادة الجماعية. فوفقا لاتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948، فإن الإبادة ليست مرادفاً لغياب المساعدات الإنسانية، كما أن القانون لا يشترط لإثباتها توقف إمدادات الغذاء والدواء أو انخفاض عدد السكان. فالأعمال التي تتناولها الاتفاقية تشمل قتل أفراد الجماعة، وإلحاق أذى جسدي أو نفسي جسيم بهم، وفرض ظروف معيشية يُقصد منها إحداث تدمير الجماعة مادياً، كلياً أو جزئياً، إضافة إلى وجود قصد خاص لتدمير الجماعة بصفتها جماعة.
وهنا تحديداً تظهر المشكلة في حجة هاكابي. فعندما نظرت محكمة العدل الدولية في دعوى جنوب أفريقيا ضد إسرائيل، لم تتعامل مع دخول المساعدات إلى غزة باعتباره دليلاً ينهي النقاش حول الإبادة الجماعية. ففي يناير 2024، أصدرت المحكمة تدابير مؤقتة وأمرت إسرائيل باتخاذ إجراءات لمنع الأفعال التي تدخل في نطاق المادة الثانية من اتفاقية الإبادة الجماعية، كما أمرتها باتخاذ إجراءات لتمكين توفير الخدمات الأساسية والمساعدات الإنسانية التي يحتاج إليها الفلسطينيون في غزة.
ثم جاء أمر المحكمة في مارس 2024، في ظل ما وصفته بتدهور ظروف الحياة وانتشار الجوع والمجاعة، ليطلب اتخاذ إجراءات تضمن وصول الغذاء والماء والوقود والمواد الطبية والرعاية الطبية إلى سكان غزة على نطاق واسع ودون عوائق. وهذا في حد ذاته يوضح أن وجود المساعدات لا يحسم المسألة قانونياً؛ فالمحكمة كانت تطالب في الوقت نفسه بضمان وصول المساعدات والخدمات الأساسية إلى السكان، من دون أن تعتبر مجرد وجود بعض المساعدات دليلاً كافياً لإنهاء البحث في الاتهامات المتعلقة بالإبادة الجماعية.
لذلك، فإن المسألة من الناحية القانونية لا تتعلق بعدد الشاحنات التي دخلت غزة فقط، وإنما بالظروف التي عاشها السكان خلال الحرب، وبطبيعة الأفعال التي تعرضوا لها والنتائج التي ترتبت عليها. كما أن بحث جريمة الإبادة الجماعية يتطلب النظر في مجمل الأدلة والوقائع لمعرفة ما إذا كانت تكشف عن القصد الخاص الذي تشترطه الاتفاقية.
والأمر نفسه ينطبق على لقاحات شلل الأطفال. فلا شك أن حملة واسعة للتطعيم جرت في غزة، وأن كميات كبيرة من اللقاحات وصلت إلى القطاع. وقد أعلنت منظمة الصحة العالمية واليونيسف توفير أكثر من 1.6 مليون جرعة من لقاح شلل الأطفال، في حملة استهدفت مئات الآلاف من الأطفال.
إلا أن الحقيقة التي يغفلها هاكابي هي أن حملة التطعيم لم تكن ببساطة عملية قامت بها إسرائيل، وإنما شاركت فيها السلطة الوطنية الفلسطينية ومنظمات دولية وجهات صحية مختلفة، في محاولة لمواجهة انتشار شلل الأطفال في القطاع، في ظل الظروف الصحية والإنسانية الصعبة التي فرضتها حرب الاباده نفسها ، ومن ثم، فإن إعطاء طفل لقاحاً، أو السماح بتنفيذ حملة تطعيم داخل غزة، لا يعني أن بقية الأفعال والظروف التي عاشها السكان خلال الحرب لم تقع. ومن الناحية القانونية، لا توجد قاعدة تجعل تقديم اللقاحات دليلاً حاسماً على انتفاء المسؤولية عن أفعال أخرى قد تكون قد ارتُكبت في الوقت نفسه.
أما الاستناد إلى معدل النمو السكاني في غزة، فلا يبدو كافياً من الناحية القانونية لحسم مسألة الإبادة الجماعية. وحتى لو صح أن سكان غزة كانوا ينمون بمعدل يقارب 4% سنوياً في فترة معينة، فإن ذلك لا يمثل معياراً قانونياً لنفي وقوع الجريمة. فالإبادة ليست مسألة حسابية تتوقف على ما إذا كان عدد السكان قد انخفض أو ارتفع. ولم تنص اتفاقية الإبادة الجماعية على أن عدد أفراد الجماعة يجب أن ينخفض حتى تتحقق الجريمة، كما أن استمرار الولادات أو ارتفاع عدد السكان في فترة سابقة لا يلغي إمكانية وقوع أفعال تدخل في نطاق الاتفاقية خلال الحرب.
وفوق ذلك، فإن نسبة النمو السكاني البالغة 4% التي ذكرها هاكابي تحتاج إلى تدقيق من حيث الفترة الزمنية والبيانات التي استند إليها. فقد أشارت بيانات وتقارير فلسطينية ودولية إلى معدلات مختلفة للنمو السكاني، كما تحدثت تقارير عن انخفاض كبير في عدد سكان غزة نتيجة القتل والتهجير خلال الحرب. وبالتالي، فإن استخدام رقم واحد لتكوين استنتاج قانوني حول الإبادة الجماعية لا يبدو كافياً، حتى قبل الدخول في نقاش دقة الرقم نفسه.
وفي السياق نفسه، يأتي تقرير فرانشيسكا ألبانيز، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ليقدم طريقة مختلفة في النظر إلى المسألة. ففي تقريرها الصادر في مارس/ آذار 2024 تحت عنوان “تشريح الإبادة الجماعية”، تناولت ألبانيز مجموعة واسعة من الوقائع، من القتل والإصابات والدمار والنزوح إلى الظروف المعيشية والتصريحات والسلوكيات التي رأت أنها ذات صلة بتقييم الوضع.
وخلصت ألبانيز إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن العتبة التي تشير إلى ارتكاب أفعال إبادة جماعية قد تحققت. وهذه، بطبيعة الحال، هي خلاصة مقررة خاصة للأمم المتحدة وليست حكماً قضائياً نهائياً من محكمة العدل الدولية.
أما محكمة العدل الدولية، فلم تحسم في أوامر التدابير المؤقتة التي أصدرتها أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية، كما أنها لم تفصل في أصل الدعوى في تلك المرحلة. وإنما رأت أن حقوقاً معينة يحميها قانون الإبادة الجماعية تستوجب الحماية، وأن الظروف القائمة تستدعي اتخاذ تدابير عاجلة. ولذلك، ليس دقيقا القول إن المحكمة برأت إسرائيل من الاتهام بسبب دخول المساعدات أو وصول اللقاحات، كما أنه من غير الدقيق أيضاً تقديم أوامر التدابير المؤقتة باعتبارها حكماً نهائياً بشأن وقوع الإبادة الجماعية.
في النهاية، ينظر هاكابي إلى وجود المساعدات واللقاحات والنمو السكاني باعتبارها وقائع يمكن استخدامها لنفي الإبادة الجماعية. لكن القانون الدولي لا يتعامل مع هذه المسألة من خلال رقم واحد أو واقعة منفردة، وإنما من خلال مجموع الأفعال والظروف والأدلة المتاحة، بما في ذلك آثارها وما يمكن أن تكشفه عن القصد.
ان توفر المساعدات واللقاحات، وكذلك الحديث عن معدلات النمو السكاني، كلها وقائع يمكن بحثها والتحقق منها، وقد تكون لها أهمية عند تقييم الصورة الكاملة. لكنها لا تكفي، كل واقعة بمفردها، للوصول إلى نتيجة قانونية بشأن جريمة الإبادة الجماعية. فالقول إن "المساعدات دخلت، إذن لا توجد إبادة" يشبه القول إن "المستشفيات عملت، إذن لا توجد جريمة"، أو إن "اللقاحات وصلت، إذن لا يمكن أن تكون هناك أفعال إبادة". وهذه ببساطة ليست الطريقة التي يُبحث بها هذا النوع من المسؤولية في القانون الدولي.
عذراً هاكابي، لكن القانون الدولي أكثر تعقيداً من أن يُختصر في ثلاثة أرقام.
فوراء هذه الأرقام أشخاص يعيشون ظروفاً قاسية: أطفال وعائلات فقدوا منازلهم وأقاربهم، وأشخاص اضطروا إلى النزوح والبحث عن الماء والغذاء والدواء. لذلك فإن القضية أكبر من عدد الشاحنات وأكبر من عدد اللقاحات. فالمسألة في النهاية تتعلق بما حدث للناس، وبالأفعال التي تعرضوا لها، وبالظروف التي عاشوها، وبما تكشفه الأدلة المتراكمة عن طبيعة تلك الأفعال والقصد المرتبط بها.
وهذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تكون في قلب أي نقاش جدي حول المسؤولية بموجب القانون الدولي.
مواضيع ذات صلة
سؤال الحوار الوطني
عذراً هاكابي… أنت لا تفهم القانون الدولي جيداً!
الانتخابات.. "أن نكون أو نكون"
فقدت كل شيء يا صديقي!
جغرافيا الزيتون الفلسطيني (الحلقة الرابعة)