خطابا نيويورك..الرئيس يخاطب وعي العالم، ونتنياهو يستجدي صناديق الاقتراع
د. باسم خضر التميمي
شهدت أروقة الجمعية العامة للأمم المتحدة مواجهة دبلوماسية غير مباشرة، تجسدت في خطابين متناقضين بنيويًا واستراتيجيًا بين الرئيس محمود عباس ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. ولم تقتصر المفارقة على تباين المواقف، بل امتدت لتشمل لغة الجسد ودلالات الرسائل؛ حيث حظيت كلمة الرئيس أبو مازن باهتمام استثنائي كوثيقة سياسية حملت مؤشرات حاسمة تتجاوز الاستعراض التقليدي.
وفي المقابل، تُرجم الغضب الدولي بمشهد المقاعد الشاغرة وانسحاب وفود عشرات الدول فور صعود نتنياهو للمنصة، في خطوة تؤكد أن رئيس الوزراء الإسرائيلي لم يخاطب الدبلوماسيين، بل وجه بوصلته بالكامل نحو صناديق الاقتراع الإسرائيلي، مستغلًا المنبر الأممي كمسرح للدعاية لانتخابات أكتوبر المرتقبة.
تجلّى صراع الروايات في أروقة الأمم المتحدة بين الدبلوماسية الرصينة والاستعراض الهجومي عبر مقاربتين متناقضتين جذريًا؛ حيث قدم الرئيس محمود عباس مرافعة قانونية وأخلاقية مستندة إلى القانون الدولي، معلنًا الرفض المطلق لمخططات التهجير وتصفية القضية الفلسطينية. ووضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته بربطه البنيوي بين حرب الإبادة في غزة والتطهير العرقي والاستيطان المحموم في الضفة والقدس، واصفًا المشهد بـ«خطة استعمارية خبيثة» لإنشاء «إسرائيل الكبرى».
وفي مقابل هذا الواقع القاتم، طرح «رؤية السلام الفلسطينية» لإقامة دولة مستقلة وديمقراطية و«غير مسلحة» على حدود 1967 عاصمتها القدس الشرقية؛ وهو تأكيد يمثل رسالة ذكية موجهة للغرب تثبت جاهزية الكل الفلسطيني كشريك سلام حقيقي لضمان الاستقرار ونبذ العنف من جميع الأطراف.
في المقابل، جاء خطاب نتنياهو هجوميًا واستعراضيًا، رافضًا مسار حل الدولتين ومحاطًا بمؤثرات بصرية كشفت عن تنافر تُرجم سلوكيًا بانسحاب وفده فور بدء كلمة الرئيس عباس. وركز نتنياهو على تصوير حروبه في المنطقة كـ«معركة وجودية ضد محور الشر والبرابرة» لحماية أمن كيانه، نافيًا اتهامات الإبادة الجماعية ومهاجمًا قوى إقليمية ودولًا أوروبية فرضت عقوبات على منتجات المستوطنات. كما حذر مما أسماها الجبهة الثامنة في الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي التي اتهمها بتزييف الوعي، مستخدمًا أدوات مثل أجهزة البيجر وشبكات الستارلينك لتعزيز سردية القوة العسكرية، وتغطية أزماته الداخلية.
يكمن الفارق الجوهري الآخر في الجمهور المستهدف؛ فبينما اتجهت بوصلة الرئيس عباس نحو الخارج الدولي لبناء جبهة تساند الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، انقاد نتنياهو نحو استرضاء الشارع المحلي وترميم شعبيته المتآكلة. ومن موقع القوة المؤسساتية، استعرض الرئيس نجاحات الإصلاح والحوكمة، مؤكدًا التوجه لإجراء الانتخابات التشريعية في الثامن والعشرين من تشرين الثاني؛ وهي رسالة تثبت الجاهزية الديمقراطية وتقطع الطريق على مساعي إقصاء منظمة التحرير عن صياغة مشهد «اليوم التالي» للعدوان.
في المقابل، وظف نتنياهو المنبر الأممي كمسرح للدعاية ومخاطبة الناخب الإسرائيلي اليميني بالأساس؛ مستبدلًا الرؤى الاستراتيجية بقصص عائلية شخصية استحضرت «تضحيات الدم» لأفراد عائلته ليرد على الانتقادات الحادة التي تلاحق أداءه وعائلته. لقد سعى نتنياهو لدغدغة مشاعر مجتمعه وإعادة إنتاج صورته بوصفه الحامي الوحيد للأمن يربط مصيره الشخصي بالكيان وجوديًا، على النقيض تمامًا من الطرح الفلسطيني المتمحور حول الشرعية المؤسساتية واستعادة الزخم الدبلوماسي أمام وعي المنظومة الدولية الشاملة.
ولم تكن الكلمات وحدها هي الناطقة في أروقة الجمعية العامة، بل شكلت دلالات التكرار ولغة الجسد رافعة كشفت المنطلقات الاستراتيجية للطرفين؛ حيث اتسم أداء الرئيس عباس بثبات وحزم، فطغت الجدية الصارمة وغياب الابتسام تعبيرًا عن المأساة. ورغم وطأة اللحظة وثقلها، أضفت إيماءات رأسه العمودية واستخدام السبابة نبرة حازمة ترفض الانكسار، وتكامل ذلك مع تكرار عبارات «شعبنا باقٍ» و«حل الدولتين» لتثبيت الخطوط الحمراء، وصيغة «لا تسمحوا» لإدانة الصمت الدولي.
في المقابل، تميز أداء نتنياهو بالأداء المسرحي والاندفاع بحركات يد واسعة ومؤثرات بصرية لإبراز القوة، مع هندسة قاموس تعبوي للداخل يكرر شعارات «سننتصر»، ومصطلح «يهودا والسامرة» لاستقطاب اليمين، ووصف الاتهامات بـ«الأكاذيب». ومع ذلك، كشفت لغة جسده توترًا ومكابرة؛ فعند انسحاب الوفود، ظهر الجز على الشفاه وابتسامة مصطنعة، ووضعية رأس تعكس «العناد الدفاعي»، مصحوبة بزيغ بصري لتفادي المقاعد الفارغة، بينما كشف تشبثه بالمنصة شعورًا بعدم الأمان حاول إخفاءه بإيماءات سيطرة ميكانيكية مفرطة.
وفي معركة الانسحابات الدبلوماسية يبرز مشهدان متناقضان للشرعية والعزلة، حيث تجلت ذروة الاستقطاب الدولي في مفارقة مشهدية صارخة تعكس انقسامًا دبلوماسيًا حادًا. تمثل الأول في انسحاب الوفد الإسرائيلي المنظم فور بدء بث كلمة الرئيس محمود عباس، المُلقاة بالفيديو بسبب قيود تأشيرات المقر، في محاولة لإنكار وجود الشريك الفلسطيني ورفضًا لأي أفق سياسي. وفي المقابل، تجسد الثاني في هبّة دبلوماسية تمثلت في انسحاب جماعي تاريخي لعشرات الوفود العربية والدولية فور صعود نتنياهو للمنصة، مخلفةً مقاعد شاغرة وجهت صفعة قوية للدعاية الإسرائيلية. وأكد هذا التباين عمليًا أن العزلة الدولية تطوق خطاب القوة الإسرائيلي، بينما تحظى السردية الفلسطينية بتأييد بنيوي واسع عكسته إشارة الرئيس عباس لاعتراف 160 دولة بفلسطين.
وضعت الأمم المتحدة العالم أمام مرآة كاشفة أظهرت أن الصراع ليس ميدانيًا فحسب، بل هو مواجهة أخلاقية وقانونية تتنازعها مقاربتان؛ مرافعة الرئيس عباس المستندة إلى «قوة الحق» والشرعية الدولية، وفي المقابل استعراض نتنياهو المرتكز على «حق القوة» والبطولات الشخصية الموجهة للداخل، لإعادة تلميع صورته المأزومة أمام مجتمع إسرائيلي منقسم ينتظر استحقاق صناديق الاقتراع. ورغم قيود الحصار، بدت الرواية الفلسطينية أكثر تماسكًا وقبولًا دوليًا، بينما ظهر الخطاب الإسرائيلي محاصرًا بعزلته في قاعة شبه فارغة، ومرتهنًا بالكامل لحسابات رئيس وزرائه الحزبية والشخصية.
ومع إسدال الستار على هذه المواجهة، يبقى السؤال الجوهري معلقًا أمام عواصم القرار: هل سيلتقط المجتمع الدولي تحذيرات الخطاب الفلسطيني، أم سيستمر في تجاهله دافعًا بالمنطقة برمتها نحو انفجار شامل؟
مواضيع ذات صلة
فقدت كل شيء يا صديقي!
جغرافيا الزيتون الفلسطيني (الحلقة الرابعة)
المنطقة (ج).. القلب الاقتصادي المحتجز وعمود الدولة المستقبلية
فتح والانتخابات وضرورات الفوز
العقل الجمعي الوطني لتفكيك الاستعصاءات..