سلسلة تاريخ عصر الزيتون... رحلة الذهب السائل من فجر التاريخ إلى التكنولوجيا الحديثة (الحلقة 1)
فياض فياض

نبدأ اليوم سلسلة مقالات جديدة نغوص فيها عبر الزمان والمكان لنروي قصة "هندسة العصر"، وكيف تحول استخراج زيت الزيتون عبر آلاف السنين من جهد بدائي بسيط إلى صناعة تكنولوجية تحكمها أدق المعايير المخبرية. إن فهمنا لتاريخ العصر ليس مجرد استعراض للماضي، بل هو تتبع للوعي البشري الذي تعامل مع هذه الشجرة المباركة كأمانة وجودية وصيدلية متنقلة.
وعندما نسأل: متى بدأت هذه الرحلة؟ يظن البعض أن عصر الزيتون بدأ مع الإمبراطوريات الرومانية أو اليونانية، لكن الحقائق التاريخية والأثرية الصارمة تقلب هذه الفرضيات بالكامل؛ فالتاريخ يثبت أن بلادنا فلسطين وحوض المتوسط هما المهد الأول والشرارة الأولى لهذه الصناعة قبل أكثر من 6 آلاف عام.
إن المكتشفات الأثرية الموثقة تحت الماء أمام شواطئ حيفا (الكرمل) أظهرت وجود منشآت حجرية متكاملة وأحواض مخصصة لتجهيز الزيتون وغسله واستخراج زيته تعود إلى 6,600 عام مضت (أي نحو 4600 قبل الميلاد). هذا يعني أن الإنسان الفلسطيني الأول أدرك بحدسه وذكائه الفطري كيفية فك الشفرة الكيميائية لهذه الثمرة واستخلاص عصيرها الزيتي قبل أن تعرف البشرية الآلات والمحركات بآلاف السنين.
في تلك العهود السحيقة، لم يكن "العصر" يعتمد على الضغط الميكانيكي المتطور، بل بدأ بما نسميه في علم الآثار "المرحلة الصخرية البدائية. كان المزارع الأول يجمع الثمار الناضجة، ويضعها في حفر صخرية طبيعية أو أحواض محفورة في الصخر باليد، ثم يبدأ بعملية "الهرس" باستخدام حجارة صوانية دائرية ثقيلة (المدارات الأولى)، أو حتى بالدهس بالأقدام بعد وضع الزيتون في أكياس قماشية سميكة لحماية الثمار وتجميع السائل المتدفق في أجران فخارية أو صخرية منخفضة.
ورغم بدائية هذه الطرق، إلا أنها كانت تمثل المبادئ الأساسية لـ"العصر البارد الحقيقي"؛ حيث كان الزيت يُستخلص دون أي تسخين، ودون ملامسة للمعادن التي قد تسبب الأكسدة، مما جعل الزيت المنتج في فجر التاريخ يحمل أعلى الخصائص العلاجية والدوائية والنقاء الطبيعي.
إن شجرة الزيتون في فلسطين عاصرت العصور البرونزية والحديدية، وتحولت صناعتها في القرن السابع قبل الميلاد (العصر الحديدي) في مناطق مثل تل مقنّع وعقرون إلى نظام صناعي ضخم يُصدّر الزيت إلى الإمبراطوريات المجاورة، وظلت هذه الصناعة تتطور حتى وصلت إلى المدارات الحجرية الكبرى "البد" في العصر العثماني والبرغي الحديدي في القرن التاسع عشر.
في الحلقة القادمة: سنتحدث بالتفصيل عن هندسة "البدودة" وحجر "البد" كيف كان يعمل، وكيف أدار أجدادنا معاصر الحجر بكفاءة مذهلة.
مواضيع ذات صلة
سلسلة تاريخ عصر الزيتون... رحلة الذهب السائل من فجر التاريخ إلى التكنولوجيا الحديثة (الحلقة 1)
قسم أبحاث الزيتون- الخارطة الإستراتيجية للنهوض بقطاع الزيتون: الرؤية، والرسالة، والتحليل الرباعي (الحلقة الأخيرة)
حكومة نتنياهو.. إرهاب الشرعية الدولية بإبادة التعليم وحق العودة
خيط في السماء
سليمان منصور.. الفن قضية
الشماتة.. شر وتحريض على الجريمة
ماذا لو عقدت نتائج الانتخابات المشهد الفلسطيني؟