عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 24 آب 2026

الشماتة.. شر وتحريض على الجريمة

سؤال عالماشي- موفق مطر

ليس التشفي والشماتة من قاموس القيم الأخلاقية، وإنما هما حالة مرضية، ومؤشر على سلوكيات وأفعال ومفاهيم تهدد قيم الأخلاق، بما فيها من تخصيب سريع وتجذير للسادية، مع غياب التوجيه وقواعد التربية. وهذا الحال من أخطر المفاسد المدمرة ذاتيًا للمجتمع، وقد لخّصه الشاعر نهشل بن حري التميمي في بيت شعر:
           فَقُلْ لِلَّذي يُبدي الشَّماتَةَ جاهِلًا      سَيَأتيكَ كَأسٌ أَنتَ لا بُدَّ شارِبُهْ
وإذا اعتبرنا الشماتة والتشفي نتاجًا للحسد، فهو شرٌّ، والعياذ بالله، لا يجوز لعاقل فعله أو تبريره، وتحديدًا إذا كان الأمر متعلقًا بموت أو كارثة أو مصيبة، ولا تمييز بين إنسان وآخر على أساس عرق أو جنس أو عقيدة أو انتماء سياسي أو فكر.
وللأسف، فقد أصبح هذا الشر منتشرًا، يعمل تخريبًا لضوابط العلاقة الإنسانية والمجتمعية، وحتى على مستوى الشعب الواحد، وسبب ذلك طغيان خطاب الكراهية والأحقاد، حتى بات البعض كآلة ناطقة تردد ما يحمل في ذاكرتها دون أدنى تفكير أو حساب للعواقب.
لكن جهل المرء بكيفية قراءة الواقع لا يبرر له إخضاع ما يراه ويسمعه لمنظور الشماتة والتشفي، أو الانغماس في عملية تشويه تطال فردًا أو جماعة أو مؤسسة. فالذي لم يكلف نفسه طرح الأسئلة قبل إبداء رأي أو موقف تجاه حدث أو قضية أو مشكلة، مثل: ماذا حدث؟ ولماذا؟ وكيف؟ وأين؟ فإنه سيبقى بمثابة سهم مسمومة في جعبة العاملين على تخريب أمن المجتمع والشعب، أو كلعبة في «مسرح العرائس» يحركها ببراعة شخص من وراء ستارة، ممسكًا بخيوط «القصة»، فيحرك شخوصها كما يشاء، وتبدو أنها تتكلم، لكنه في الحقيقة هو مؤلفها وناطقها!
ليس بريئًا من يتخذ التشفي والشماتة وإطلاق أحكام منافية لمنطق الحقائق والوقائع وحيثياتها. فهذا يعلم ويدرك ما يفعله؛ لأنه، ومن يحركه، أو من اشتغل على شخصيته حتى جعلها فارغة هشة، تسخّر بكل سهولة لنشر الإشاعة، وتُستخدم في الدعاية المضادة للأمن والسلم الأهلي.
فالمتشفي والشامت محترف تزييف الوقائع والأحداث وتزويرها، يعمل على إضعاف وحدة وتماسك المجتمع، ويفكك عناصر قوته. وسلاحه لتحقيق هذا الهدف التشكيك بأخلاقيات ووطنية المستهدف، معتقدًا أنه بذلك ينتصر لمفاهيم وتعاميم شيطان الفئوية الذي جرّده من أدنى سماته كإنسان (التعقل)، وتركه منفلِتًا لا يقدر على السيطرة على حواسه، بلا بصيرة. لكنه يمضي بلا هوادة في الإرهاص لانفلات أمني يشبع رغبات لصوص ومجرمين ومستخدمي الدين، ويقدمه على طبق من ذهب لمن يريد رؤية الجريمة بكل أنواعها مشهدًا طاغيًا في الشارع.
تنص معظم القوانين في العالم على عقوبة القدح والذم والشتم، وكذلك القانون الفلسطيني، لكن التشفي والشماتة لم نقرأهما نصًا حرفيًا كجريمة يعاقب عليها القانون. لكنهما، كفعلين يبرزان بشكل مادي وعلني، مكتوبًا أو لفظًا منطوقًا أو رسمًا، خارج سياق الرأي والتعبير الموضوعي، يشكلان تحريضًا مباشرًا على ارتكاب جريمة يعاقب عليها القانون.
فالشماتة والتشفي بشرطي أو جندي، أو منتسب في جهاز أمني، أو بأي موظف حكومي يؤدي عمله وفقًا للقانون، نتيجة تعرضه لحادث أو لوقائع صعبة أثناء أداء مهمته الرسمية، لا يمكن اعتبارهما إلا عملًا مقصودًا للنيل من الشخصية الاعتبارية الوطنية للمؤسسة الرسمية التابعة للدولة، ولا يجوز تبريرهما تحت عنوان الحرص والنقد البناء الموضوعي، فلهذا مفرداته اللائقة والمنسجمة مع الفكرة من الموضوع والهدف من طرحه بالمعقول والمنطق.
وهنا نسأل: ألا نحتاج إلى منهج تربوي ثقافي تعليمي، وتحديث قانوني، يحصّن الأجيال ويضمن نشأتها ونقاء نفوسها من هذا المرض إلى الأبد؟