أبدأ بالقول إننا بحاجة إلى إجراء انتخابات، وكنا بحاجة إليها كل الوقت منذ العام 2007، وهو العام الذي انقلبت فيه حماس على حكومة الوحدة الوطنية، وتفجرت بفعله أزمة داخلية حادة نجم عنها انفصال قطاع غزة عن الضفة. والمعروف لدى كل الشعوب أنه عندما تنفجر أزمة سياسية، يتم اللجوء مجددًا إلى صندوق الاقتراع؛ لأن استخدام العنف والقوة هو الوصفة المدمرة للمجتمعات والدول. وكل السنوات التي تلت ذلك الانقلاب الأسود وتلك الأزمة، لم يكن لها من حل عملي سوى اللجوء مجددًا إلى صناديق الاقتراع.
السؤال المطروح أعلاه لا يعني بأي حال رفض فكرة الانتخابات، أو رفض إجرائها في أي وقت، ولكن ونحن نجري الانتخابات في وضع وطني بمنتهى الصعوية، علينا أن نتخيل سيناريوهات ما بعد الانتخابات، فهذه الأخيرة ليست هدفًا بحد ذاتها، وإنما وسيلة مهمة للتداول السلمي للسلطة، وإن إجرائها يعمق الديمقراطية، وهو أمر لا غنى عنه في بناء أي نظام سياسي، أو بناء المؤسسات بشكل سليم.
والسؤال المطروح ليس ترفًا سياسيًا، إنما هو ضرورة لكي نتوقع أسوأ السيناريوهات، وبالتالي كيف سنتصرف؟
الانتخابات، وبهدف أن تكون نتائجها إيجابية فعلًا، تسهم في إعادة توحيد الوطن وإعادة بناء النظام السياسي، يجب أن تسبقها مراجعة سياسية وطنية شاملة، وألا نذهب إليها وكأن انقلاب حماس وتداعياته المدمرة لم تكن. كيف يمكن الذهاب إلى انتخابات دون أن تعترف حماس بخطئها وتعتذر للشعب الفلسطيني؟ والمقصود هنا ليس خطأ الانقلاب وحده، بل سلسلة طويلة من الأخطاء مزقت الشعب الفلسطيني ونزعت الوطن، وأثرت سلبيًا على الهدف الوطني المركزي: إقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية؟
لننظر كيف تلقفت حماس مسألة إجراء الانتخابات. بالتأكيد ليس من قبيل المنطق الذي تمت الإشارة إليه، وإنما لخلط الأوراق والتملص من المحاسبة. لذلك، فإن سؤال العنوان في غاية الأهمية، لأنه إذا جرت الانتخابات، وفرضًا فازت حماس، ربما تحت اسم جديد وبتحالف مع فصائل مرتهنة للتمويل الخارجي، فكيف سيكون حال الشعب الفلسطيني والقضية الفلسطينية؟
إجراء مراجعة شاملة لا يتعلق بحماس وحدها، بالرغم من أنها أكثر من جلب للشعب الفلسطيني من كوارث ومصائب ونكبات، ولكن المراجعة، بالضرورة، أن تشمل الجميع: فصائل منظمة التحرير، ومؤسسات المجتمع المدني. علينا أن نجيب أولًا: لماذا وصلت بنا الأمور إلى هذا الواقع الهش والخطير؟
لقد جرت العادة في الساحة الفلسطينية على الهروب إلى الأمام، وعدم تقييم المراحل، والنتيجة أننا كنا نذهب من سيئ إلى أسوأ. كنا ننقسم ونتشرذم، ونعود نتوحد دون أن نضع أساسًا حقيقيًا عبر مراجعات حقيقية. هذا ما كان يحصل قبل العام 1948، إلى أن وصلنا إلى النكبة، وتكرر الأمر مع تجربة منظمة التحرير الفلسطينية في المنفى، وهو يتواصل اليوم.
ليس هناك أهم من بناء المؤسسات على أسس ديمقراطية، ولكن كيف نحقق ذلك؟ بالتأكيد ليس عبر مقولة «عفا الله عما سلف». كيف يتم السماح لحماس بالمشاركة في أي انتخابات دون أن تقول للشعب الفلسطيني إنها أخطأت، وعليها أن تعتذر للشعب الفلسطيني؟ قد يقول البعض إن أوسلو كان خطأ، ولكن ألم توافق حماس على الدخول في انتخابات عام 2006 على أساس أوسلو، وهي تهرول اليوم وبحماس إلى الانتخابات القادمة، وهي تدرك أنها مرة أخرى ستجري على أساس أوسلو؟
إن هدف تلهف حماس للانتخابات ليس وطنيًا، وإنما لإنقاذ نفسها من الهزيمة التي لحقت بها، خصوصًا ومقابل أن تقدم نفسها لكوشنير، مستعدة ليس على نزع سلاحها، بل لخلع ثيابها.
إن التفكير بما بعد الانتخابات ضرورة وطنية. والغريب في الأمر أننا نفكر بنتائج الانتخابات الإسرائيلية وما ستتركه من أثر علينا، ولا نفكر ما الذي سيحصل بعد الانتخابات الفلسطينية للشعب الفلسطيني؟
ونعود للسؤال: ماذا لو عقدت نتائج الانتخابات المشهد الفلسطيني؟ هذا سؤال الضرورة، علينا أن نجيب عليه، وأن نقوم بأي عمل قبل الانتخابات لنضمن أنها لن تقودنا إلى واقع أسوأ بكثير من أوسلو، وهو في أسوأ أيامه.