عاجل

الرئيسية » ثقافة » عناوين الأخبار »
تاريخ النشر: 29 آب 2026

سميح القاسم.. ناسِفُ الأطر بدون استئذان

محمد علي طه

يا سميح القاسم، وبلغة هذا الزّمان، يا سين ألف، يا صاحب ديوان "سقوط]  الأقنعة"، سقط القناع، سقط القناع، سقط القناع.]

كان القطار القادم من مدينة اربد في الأردن الى مدينة حيفا مكتظًّا بالرّكّاب، وكان التّعتيم مفروضاً خوفاً من غارة قد تشنّها الطّائرات الألمانيّة، ولسبب ما بكى الطّفل ابن الثّانية، فأُصيب بعض الرّكاب بالهلع.

أسكت هذا الطّفل فقد تسمع صوته طائراتُ الألمان وتقصفنا. أسكتوه!

ولم يسكت الطّفل المزعج فهمَّ أحد الرّكّاب بقتله فاستلّ والده الضّابط في قوّة حدود شرق الاردنّ مسدّسه ليحميه وصرخ مستنكراً: يا جهلة! أتخشون ان يسمع الطّيّارون الألمان صوت بكاء طفل ولا تخشون ان يسمع هدير قطار بحاله؟

حدث هذا في العام 1941 في اثناء الحرب العالميّة الثّانية، ولم يستأذن الطّفل سميح بن محمّد القاسم احداً حينما نسف الهدوء ونشر الهلع في المسافرين القادمين من مدينة اربد حيث كان يعمل ابوه قائلاً بلغة البكاء الطّفوليّ: "ابداً لن اصمت. صوتي سوف يزعجكم ويقلقكم ويخيفكم ويقضّ مضاجعكم. صوتي صياح الدّيك المبشّر بالفجر يستنهض النيام. صوتي سلاح الشّعب في قطار الحياة المتحرّك، ابداً الى الأمام حتّى اعود الى حفرة على سفح جبل حيدر. من هذا التّراب صنعتني انامل الخالق وعليه درجت واليه اعود ومنه أُبعَث.

رفض الفتى حلم العائلة وتقليدها بأن يكون جامعيّاً وموظّفاً يعيش متنعّماً ويحيا مسالماً. وحمل صليبه وقصيدته طيلة خمسة عقود وخمس سنوات متحدّيًا اعداءه القوميّين والفكريّين والطّبقيّين الذين اجاعوه ايّاماً وسنوات، والذين قيّدوه طيلة أشهر واعوام كي يقمعوه ويسكتوه الاّ انّه بقي منتصب القامة مرفوع الهامة. "هذه مشيئة الله وطوبى لمن كانت مشيئته من مشيئة الله". هكذا يكتب الشّيخ الفتى او الفتى الشّيخ وهو في الثّانيّة والسّبعين في العام 2011 ويضيف "من هنا تستمدّ قوّة التّحدّي في مواجهة الزّاعمين بأنّهم شعب الله المختار، من سجّانيك وقامعيك ومصادري ارضك ومصير شعبك وإنّك لتتحدّى: كونوا ما تريدون ان تكونوا. لكن عليكم ان تفهموا: انا شاعر الله المختار، وسأتابع مسيرة الشّوك والجمر والماء والنار. منتصب القامة مرفوع الهامة الى ما شاء الله!!

أبى الفتى أن يتجنّد في جيش يذبح أبناء شعبه وتحدّى قانون التّجنيد الإجباريّ فاعتقلته السّلطات وسجنته في العام 1960. وفي غرفة التّوقيف النتنة والمعتمة يجري هذا المونولج: "معركتك ليست شخصيّة فحسب. انت تعلم انّهم لن يعدموك ولن يحكموا عليك بالسّجن المؤبّد. تستطيع المكوث في السّجن العسكريّ لأيّام أخرى او لشهور وحتّى لسنوات. ولكن ماذا يحدث لرسالتك في هذه الأثناء؟ أنت معنيٌّ بتوعية النّاس، جميع النّاس بأنّ التّجنيد الاجباريّ ليس مسألة عسكريّة فالصّهاينة لا يحتاجون لبضعة جنود عرب لحسم الحروب. إنّها مسألة سياسيّة قبل كل شيء. إنّها فقرة من برنامج "فرّق تسد" وانت لا تبحث عن خلاصك الشّخصيّ فحسب، انت تبحث عن خلاص شعب بأسره من محنة التّمزّق والتّشرذم، ثمّ إنّ المؤسّسة الحاكمة وشروط الحكم العسكريّ المفروض على أبناء شعبك تتطلّب منك الدّخول في لعبة شديدة التّركيب. أذرعة الحكم العسكريّ تحاصرك بتهمة الشّيوعيّة (قبل أن يكون شيوعيّاً) في مجتمع محافظ متديّن وفي بيئة شديدة التّخلّف.

يشكّل الشّابّ سميح في العام 1958 منظّمة الشّبّان الدّروز الأحرار شبه السّرّيّة التي تحوّلت الى تنظيم اوسع هو لجنة المبادرة الدّرزيّة الرّافضة للتّجنيد الاجباريّ والمناضلة ضدّ التّطوّع الاختياريّ، ولا شكّ بأنّ هذا التّنظيم كان محاولة جريئة لنسف ما اتّفق عليه قادة الطّائفة المعروفيّة مع قادة اسرائيل واعتقد انّه تحدٍّ كبير ومحاولة نسف جريئة لإطار سلطويّ طائفيّ ايضاً.

عمل الشّابّ في صحيفة "هذا العالم" معتقداً أنّ الصّحيفة مستقلّة وكان عمله مصدر رزقه الوحيد وحدث في تلك الفترة في أوائل السّتّينات أن زارت البلاد شخصيّة جزائريّة تزعم أنّها من نسل المناضل عبد القادر الجزائريّ واستفزّته هذه الزّيارة وكتب مقالاً يحّذر فيه من الخائن فاعترض صاحب الجريدة على نشره فاستقال من عمله ليجد نفسه عاطلاً عن العمل.

عمل سميح القاسم في صحافة الحزب الشّيوعيّ ثمّ قدّم طلب انتساب للحزب وهو في السّجن في أثناء عدوان حزيران 1967 وكتب في هذه الفترة قصائد وطنيّة مقاومة وقصائد ذات بعد ماركسيّ اشتراكيّ. كما كتب فيما بعد قصيدة لغورباتشوف آخر رئيس للاتّحاد السّوفيتيّ، وكان عضواً في اللجنة المركزيّة للحزب الشّيوعيّ ومحرّرًا في صحافة الحزب كما درس الماركسيّة العلميّة في المدرسة الحزبيّة في موسكو في السّبعينات.

كان سميح ماركسيًّا لينينيًّا (في تلك الفترة) ولكنّه مثل عدد غير قليل من الشّيوعيّين العرب لم يكن ملحداً بل كان مؤمناً، يؤمن بالله وبالأنبياء، وكان القرآن الكريم مصدرًا هامًّا لشعره ونثره، وكان الحديث النّبويّ مرجعًا له، وكان للمذهب الدّرزيّ أثر على شعره وقد بدا ذلك في قصائد عديدة وبخاصّة في مجموعته الشّعريةّ "سبحة للسجلّات".

كان اعتناقه للشيوعيّة او الماركسيّة في مجتمع متديّن وفي بيئة بيتيّة تحرص على ان تحافظ على مركزها العائليّ وفي جوّ سياسيّ مرتبط بالسّلطة اختاره زعماء الطّائفة العربيّة الدّرزيّة عملية نسف للإطار العائليّ والطّائفيّ والقرويّ والمجتمعيّ.

لم تكن حياته الحزبيّة سهلة مريحة، ولا أعني الوضع الاقتصاديّ الصّعب والفقر والإقامة الاجباريّة والسّجن بل كان يتحدّى اطراً حزبيّة وفكريّة.

في احدى زيارته لربوع الاتّحاد السّوفيتيّ يزور سميح القاسم جمهوريّة جورجيا وعاصمتها تبيليسي ويزور هناك مسجداً أمر الخليفة معاوية بن أبي سفيان ببنائه يوم أرسل جنوده لحماية جورجيا وأرمينيا من جيوش بيزنطة ومطامعها، واصرّ الخليفة معاوية يومئذ على ان يُبنى المسجد خارج حدود المدينة كي لا يزعج الجنود المسلمون سكّان البلد المدنيّين. ابدى امام المسجد اسفه لانعدام المصلّين. ورأى سميح صندوقاً معلّقاً على جدار المسجد وعلم انّه للتبرّعات لصيانة المسجد وترميمه وتأثيثه.

يكتب: "أصابتني قشعريرة. المسجد ليس مجرّد مكان للصّلاة. ليس بيتاً اخر من بيوت الله. انّه قطعة حيّة من تاريخي وروحي وشرفي القوميّ وثقافتي وحضارتي" ويُخرج الشّيوعيّ سميح القاسم كلّ ما معه من نقود ولم يكن كثيراً ويضعه في الصّندوق ويصافح الامام ويحاول إخفاء دموعه. وينتقده عندئذ المسؤولون الحزبيّون السّوفييت: انت علمانيّ فلماذا يهمّك مسجد بناه الخليفة؟ عليك التخلّص تماماً من الرّواسب الدّينيّة والقوميّة.

ويرفض الشّاعر الشّيوعيّ معارضاً الإكراه الدّينيّ والمحو الحضاريّ ويخوض نقاشاً فكريّاً معهم يصل الى درجة انتقاده للزّعيم الشّيوعيّ ستالين الذي أقدم على الغاء الحرف العربيّ واستبداله بالحرف السّلافيّ في جمهوريّات آسيا الوسطى.

اختلف سميح مع قادة الحزب الشّيوعيّ في البلاد في قضايا فكريّة في بداية التّسعينات من القرن الماضي وقد حاولتُّ يومئذ (كنت يومئذ عضواً في اللجنة المركزيّة للحزب الشّيوعيّ) جاهدًا أن أكون وسيطاً بينه وبين المكتب السّياسيّ للحزب فنقلت مواقف الطّرفين لبعضهما محاولاً التّوفيق، وكان قادة الحزب توفيق طوبي وتوفيق زيّاد حريصين جدًّا على بقائه في الحزب. ووافق زيّاد وطوبي على طلبات سميح ومنها نشر مقابلة فكريّة معه في صحيفة "الاتّحاد" ولكنّ أعضاء آخرين في المكتب السّياسيّ للحزب رفضوا ذلك. وكتب سميح كتاب الاستقالة من الحزب واعطاني ايّاه الاّ انّه بقي في حقيبتي عدّة ايّام ثمّ سلّمته لتوفيق طوبي. وعلى الرّغم من ذلك بقي سميح القاسم صديقاً لدودًا للحزب وكان يختتم قائمة الجبهة الانتخابيّة للبرلمان مع آخرين، وكنت وايّاه نكتب معًا في كلّ معركة انتخابيّة نداءً للناخبين العرب كي ينتخبوا الجبهة الدّيموقراطيّة للسّلام والمساواة.

في تسميته لأبنائه لم يكن عاديًّا. يكتب في كتابه "إنّها مجرد منفضة": ذات يوم رافقك نبيه القاسم لتهنئة الكاتب عاموس كينان بمولد طفلته البكر. سألت عاموس: وما الاسم الذي منحتموه للمولودة؟ فردّ عاموس: انت تعلم انّني طيلة حياتي وانا اناضل من اجل السّلام لذلك أطلقت على طفلتي الأولى هذه اسم "شلوم تسيون". فوجئت بالشّطر الثّاني من هذا الاسم المركّب " شلوم تسيون" تعني "سلام صهيون". شعرتَ بالتواء في اعماقك فقلتَ وعيناك تطيران عبر النافذة: أنا سأتزوج قريباً يا عاموس وسأنجب ولدًا اسمّيه "وطن محمّد".

ويتزوّج سميح بعد سنوات ويكتب "وعندما ذهبتُ الى مكتب تسجيل السّكّان في عكّا سألني الموظّف:

ما اسم المولود الجديد؟  -

وطن محمّد. -

وطن محمّد؟ وماذا يفعل موسى وعيسى؟ -

بدا الموظّف من لهجته عراقيّ الأصل فأجبته: عيني. أغاتي. وهل أنا موظّف في وزارة الإسكان مهمّته إسكان الأنبياء والرّسل؟

عاش سميح القاسم طفولة جميلة وناعمة ولكنّه عندما اختار طريق النّضال في شبابه وتمرّد على العائلة أدّى ذلك الى فصله من عمله حيث كان يعمل مفتّشًا مراقبًا في دائرة التّنظيم والبناء ثمّ معلّمًا في مدرسة ابتدائيّة ثمّ عاملاً مع حدّاد في معامل تكرير البترول في خليج حيفا ولمّا علم الأمن بذلك تمّ فصله حالاً فعرف الفقر والجوع والقلّة الاّ انّه اصرّ على موقفه وكتب قصيدته الشّهيرة "خطاب من سوق البطالة".

ربّما أفقدُ - ما شئت - معاشي

ربما اعرض للبيع ثيابي وفراشي

ربّما اعمل حجّارًا وعتّالاً وكنّاس شوارع

ربّما اخدم في سَوح المصانع

ربّما ابحث في روث المواشي عن حبوب

ربّما أخمد عُريانًا وجائع

يا عدوّ الشمس لكن لن أساوم

والى آخر نبض في عروقي سأقاوم

ولعلّ الحادثة الطريفة بين سميح القاسم ومحمود درويش وبين زميلهما ورفيقهما في العمل الصّحافيّ محمّد خاص تلقي ضوءً على وضعه المادّيّ في تلك الفترة.

ذات يوم شكا أحدهما للآخر جيوبه الخاوية فسخر منهما رفيقهما وزمليهما الصّحافيّ علي عاشور وقال لهما: نحن بجوار سوق الخضار، عبّئا صحّارة من البلاستيك او صندوقًا خشبياً بمختارات من شعركما الحديث وانزلا الى السّوق فقد تبيعان شيئًا يوفّر لكما ثمن وجبة الغداء.

وذات يوم اقترح محمود درويش على سميح القاسم ان يستدينا من رفيقهما وزميلهما محمّد خاص مبلغاً من المال. فوقفا معًا امام محمّد خاص وانشد سميح:

يا محمّدُ، يا أميرًا، يا ابن من كانت وتبقى

أبد الدّهر أميره

أعطنا خمسين ليره!

نظر محمّد خاص اليهما شزرًا وقال: انا فقيرٌ مثلكما فانصرفا عنّي. فقال محمود درويش:

يا محمّد، يا شهيرًا، يا ابن من كانت وتبقى

أبد الدّهر شهيره

أعطنا أربعين ليره

فقال محمّد خاص قلت لكما انا فقيرٌ مثلكما فانصرفا عنّي.

وعاد محمود وقال: يا كبيراً..... وهكذا الى ان هتف سميح:

يا محمّد يا فقيرًا، يا ابن من كانت وتبقى أبد الدّهر فقيره

أعطنا عشرين ليره

وهنا قال محمّد خاص: معي عشر ليرات. خذاها وأمري لله.

وعندما استفسرا منه عن هذا التّحوّل المفاجئ منه فقال: بعد قافية أمير وأميرة، وشهير وشهيرة، وكبير وكبيرة، وفقير وفقيرة فقد جاء دور حقير وحقيرة فقرّرت النجاة بجلدي وبجلد امّي.

ومثل هذه الطّرفة اللطيفة هناك طرفة أخرى مع المحامي حنّا نقّارة.

سميح القاسم شاعر غزير الإنتاج كتب خمساً وأربعين مجموعة شعريّة كما كتب المسرحيّة والرّواية القصيرة والمقالة السّياسيّة. وقصائده متنوّعة فقد كتب القصيدة العموديّة وهي قصيدة ايقاعيّة تقليديّة ذات لغة عربيّة قويّة جدًّا فيها تمرّد وفيها رفض وفيها ثورة، وهذه القصائد كتبها على بحور الشعر العربيّ أي على اوزان الخليل بن احمد الفراهيديّ.

كان سميح شاعراً يتقن علم العروض ولا يجد الباحث النّاقد خطأ عروضيًا في شعره، وهذا اللون من القصائد موجود في "ديوان الحماسة" الأول والثّاني والثّالث وفي ديوان "قصيدة بغداد".

وكتب القاسم قصيدة التّفعيلة، وهذا اللون من الشّعر غطّى معظم شعره وتمتاز قصائده هذه بالجرأة، فهي تجمع بين القوّة والعذوبة والغنائيّة الواسعة، ويستخدم فيها التّراث الشعبيّ، ويستولد الكلمات، ويزرع في احشائها الحركة.

وبرز القاسم في هذه القصائد شاعرًا للمقاومة تبدو الأرض فيها مركزًا للثّورة والمقاومة كما تبرز المرأة فيها أيضًا رمزًا للثورة. وتأسر هذه القصائد القارئ والمستمع بلغتها وبموسيقاها:

بهدوءٍ ورويّة

اقذف حجري في وجه الكرة الأرضيّة

وأغنّي لعواصف سخطي في ليل البشريّة

لا استأذن احداً

اقضم تفّاحة موتي

واغنّي وأغنّي للحريّة

وهذه القصائد متنوّعة فمنها القصائد العميقة ذات الرّموز العربيّة والاجنبيّة ومنها القصائد من السّهل الممتنع ومنها القصائد العفويّة.

كنت شاهدًا على ميلاد قصيدتين من السّهل الممتنع أصبحتا قصيدتين شهيرتين جدًّا، ففي اثناء العدوان الاسرائيليّ على لبنان وخاصّة على بيروت وعلى منظّمة التّحرير الفلسطينيّة في تموز وآب 1982 كتب سميح القاسم قصيدةً طويلة وحملها وجاء بها الى صحيفة "الاتّحاد" وكنت يومئذ محرّراً ادبيًّا للجريدة فتشاورت مع رئيس التّحرير الكاتب اميل حبيبي فقرّرنا ان ننشرها على الصّفحة الأولى من عدد الجريدة في يوم الجمعة وهذا الّنشر للشعر في الصّفحة الأولى هو نشر استثنائيّ. ومنها المقطع التّالي:

منتصب القامة أمشي، مرفوع الهامة أمشي، في كفّي قصفة زيتون، وعلى كتفي نعشي، وانا أمشي. قلبي قمر احمر، قلبي بستان، فيه العوسج، فيه الرّيحان. شفتايَ سماء تمطر، ناراً حيناً، حبًّا أحيان، وانا أمشي أمشي، وانا أمشي أمشي منتصب القامة، مرفوع الهامة، في كفّي قصفة زيتون، وعلى كتفي نعشي.

وامّا القصيدة الثّانية فقد كنّا نشارك في مظاهرة في القدس العربيّة ضدّ الاحتلال الاسرائيليّ وتعرّضنا لقنابل الغاز والرّصاص المطاطيّ وحاصرنا الجنودُ امام احدى البنايات، فراح الأطفال المقدسيّون يرجمون جنود الاحتلال بالحجارة المخبّأة في حقائبهم المدرسيّة وهم يصرخون: "كديما كديما يا أولاد الكلب، كديما كديما" وكلمة كديما كلمة عبريّة تعني تقدّموا. ومن هنا بدأت قصيدة "تقدّموا تقدّموا" التي اسماها "رسالة الى غزاة لا يقرأون":

تقدّموا تقدّموا

كلّ سماء فوقكم جهنّمُ

وكلّ ارض تحتكم جهنّمُ

تقدّموا

يموت منّا الطّفل والشّيخ

ولا يستسلمُ

وتسقط الام على أبنائها

ولا تستسلمُ

تقدّموا

بناقلات جندكم

وراجمات حقدكم

وهدّموا وشرّدوا ويتّموا وهدّموا

لن تكسر اعماقنا

لن تهزم اشواقنا

نحن قضاء مبرمُ

تقدّموا تقدّموا

وكان سميح يتعب كثيرًا في اختيار أسماء قصائده وأسماء مجموعاته الشّعريّة وحدث ان زرته في أحد الايّام في مكتبه في حيفا فسألني: ما رأيك بعنوان المجموعة الشّعريّة الجديدة "ما قتلوه وما صلبوه" فقلت له: "ولكن شُبّه لهم" هكذا الآية القرآنيّة الكريمة. فردّدها سميح مرّتين او ثلاث مرّات. وكان هذا عنوان المجموعة الجديدة.

هناك قصائد عديدة خرج فيها الشّاعر الذي يمسك عنان العروض بقوّة عن كلّ قيد فنسف العروض والاوزان وانتقل الى قصيدة النّاثر محاولًا حتّى نسف اللغة:

وكم ازدري اللغة العبدة الطّائعه

انّها لغة ضائعه

او حينما يقول انّه يزدري الحروف التي تؤدي إلى فكرة خانعة.

وكان يستعمل احيانًا الكلمات العبريّة والكلمات اللاتينيّة والكلمات الإنجليزيّة واحيانًا يتلاعب بالحروف:

قمرٌ. رقمٌ. قرمٌ. رمقٌ.

صقرٌ. قرصٌ. قصرٌ. رقصٌ.

دهمٌ. هدمٌ. مهدٌ.

لمسٌ. سملٌ. سلمٌ.

كتب سميح القاسم لونين جديدين من الشّعر وهما السّربيّة وبدأها بسربيّة "إرم" في العام 1965 ثمّ "مراثي سميح القاسم" في العام 1973 ثمّ " إلهي إلهي لماذا قتلتني؟" في العام 1974 ثمّ "ثالث أكسيد الكربون" في العام 1975 ثمّ "الصّحراء" في العام 1984 ثمّ "خذلتني الصحارى" في العام 1998 ثمّ "كلمة الفقيد في مهرجان تأبينه" في العام 2000 ثمّ "ملك اتلانتس" في العام 2003 ثمّ "عجائب قانا الجديدة" في العام 2000 ثمّ "انا متأسف" في العام 2009 وبعدها "هواجس لطقوس الاحفاد" في العام 2012.

وامّا النّوع الثّاني فهو الكولاج والكولاج أصله من الفرنسيّة وتعني "اللصق" وهو فنٌّ يعتمد قصّ ولصق العديد من المواد كي تكوّن شكلاً جديداً، ففي الكولاج قصاصات جرائد واشرطة وورق ملوّن. وقدّ نشأ هذا الفن في الصّين واختاره الفنّان العالميّ بيكاسو في بداية القرن العشرين، ويعطي الكولاج لصاحبه الحرّيّة في التّعبير عمّا يريد وبأيّ شكل يريد.

يقول سميح القاسم انّ اول محاولة له لكتابة الكولاج كانت عن طريق الصّدفة نتيجة حالة ملل في مؤتمر ما حيث اخذ قلمه ورسم خطوطاً ثمّ كتب بيتاً من الشّعر ثم كتب تعليقاً لاذعاً وهكذا حتّى اخبره احد الزّملاء انّ المحاضرة انتهت فجمع كلّ ما كتبه على قصاصات الورق وخرج من المؤتمر وعندما تصفّحها في غرفته اعجبه العمل فجمع بينها ثمّ راجعها فخرجت على شكل صورة فنّيّة متميّزة وهكذا صدرت مجموعته الأولى "كولاج واحد" في العام 1983 والتي لم تخرج عن مواضيعه المعروفة بل بقي الهمّ الوطنيّ والهمّ القوميّ والهمّ الاجتماعيّ يمتلك الحيّز الأكبر.

وكتب القاسم ثلاث مجموعات هي كولاج 1 وكولاج 2 وكولاج 3 .

تظهر الصّوفيّة في عدّة مجموعات شعريّة له كما يظهر أثر المذهب الدّرزيّ في المجموعات التّالية: "الكتب السّبعة" و"مراثي سميح القاسم" و"إلهي إلهي لماذا قتلتني؟" و"سُبحة للسجلّات". وتعتمد هذه المجموعات على الموروث الدينيّ وتستعير لغة القرآن الكريم ولغة الّتوراة ولغة العهد الجديد وفيها تضمين لآيات وقصص دينيّة ورموز اسلاميّة ورموز من المذهب الدّرزيّ ولاحظتُ انّ الشّاعر يعتمد على التّوراة حينما يريد ان يبرز قسوة او وحشيّة الاسرائيليّ.

اشغل موضوع الموت سميح القاسم وهو موضوع كبير جدًّا كتب فيه عددٌ من الشّعراء المعروفين وقد بدأ هذا الموضوع عند شاعرنا في مجموعته "قرآن الوت والياسمين" وبرز في "الموت الكبير" و"وما قتلوه وما صلبوه ولكن شّبّه لهم" و"إلهي إلهي لماذا قتلتني؟" الّا انّ الموت سيطر على مجموعة "كولاج 3" حتّى كاد ان يكون هذا الكتاب سفر ايّوب عصريًّا.

مرّ ثلاثة شعراء في الأدب العربيّ الحديث بتجربة المرض والموت البطيء اوّلهم الشّاعر العراقيّ بدر شاكر السّيّاب صاحب ديوان "سفر ايّوب" وامّا الشّاعر الثّاني فهو الشّاعر الفلسطينيّ محمود درويش صاحب "الجداريّة" وامّا شاعرنا فكتب "كولاج 3".

يقول سميح في كولاج 2:

لا. لا اريد الآن ان اموت

لا. لا اريد الآن

يا خالقي لا تختصر ايّامي

شغلٌ كثيرٌ لا يزال امامي

وامّا في كولاج 3 فيكتب:

انا لا احبّك يا موت

لكنني لا اخافك

وانت صغيرٌ عليّ

وبحري تضيق عليه ضفافك

ويخاطب مرض السّرطان الذي أصابه في سنوات عمره الأخيرة:

إشرب فنجان القهوة

يا مرض السّرطان

كي اقرأ بختك في الفنجان

إشرب

اهتمّ سميح القاسم كثيراً بالصّحراء بينما اهتمّ محمود درويش بالبحر وكان القاسم يعتقد أنّ الصّحراء هي أصل العربيّ، وهي مكان للطّهارة والنّقاء، كما اهتمّ بشخصيّات مثل الشنفرى وابي ذرّ الغفاري والقرامطة وهي شخصيّات ثوريّة نسفت قيمًا وعادات في المجتمع الذي عاشت فيه.

أرغب بأن انهي مقالي هذا بثلاث مقطوعات قصيرة لسميح القاسم تعبّر عن فكره في سنوات عمره الأخيرة.

المقطوعة الأولى وهي مقطوعة ساخرة:

بلاد العرب اوطاني

من القاصي الى الدّاني

ومن جهل الى فقر

ومن سجن الى ثانِ

بلاد الرّعب اوطاني

وامّا المقطوعة الثّانية ففيها يأس:

انا آخر الجالسين الى هذه المائده

اجادل لكن بلا فائده

أحاول ترتيب احزاني العائده

واعلم لا فائده

انا آخر العرب البائده

وامّا المقطوعة الثّالثة فهي من "كلمة الفقيد في مهرجان تأبينه":

انا هاملت العربيّ اشهدوني

ادرّبُ عقلي على أحجيات الجنون

ابي ميت لا يموتُ

وامّيَ امّي

وملكي نهب لعمّي