علي فودة
تغريدة الصباح- حسن حميد

ما كان من استشهاد مؤلم ومؤثر وفجائي يشبه استشهاد الأديب الفلسطيني غسان كنفاني سوى استشهاد الأديب والشاعر الفلسطيني علي فودة، كلاهما استشهد في مدينة بيروت، الأول في عام 1972 والثاني في عام 1982.
كل منهما كان إلى جوار الرصيف، قبل لحظة الرحيل، فطارت بالأول عبوة ناسفة ألصقت بسيارته، قطعت جسده إلى أشلاء، وطارت بالثاني قذيفة صاروخية ملأت المكان بالحفر العميقة، والشظايا القاتلة، والدوي الراعب، وكان القاتل لهما هو الإسرائيلي!
وكل منهما لم يغلق مدونته الكتابية، ودائرة إبداعه لأنهما معاً تركا مخطوطات أدبية في أجناس أدبية مختلفة ومتعددة، أما غسان كنفاني فترك وراءه مسرحيات، وقصصاً وروايات لم تنته، وعلي فودة ترك وراءه روايات وقصصاً وقصائد لم تنته أيضاً.
كل منهما كان غارقا في الحال الإعلامية، والحال الإبداعية معاً من أجل تظهير اسم فلسطين، وثقافة الفداء، غسان كنفاني استشهد فوق الرصيف وهو يهم بالذهاب إلى المجلة التي يعمل فيها (الهدف)، وعلي فودة استشهد وهو يوزع الجريدة التي أصدرها وحررها (الرصيف)، ولم يكن فيها سوى أخبار أبناء فلسطين الشجعان الذين يقاومون الجيش الإسرائيلي الذي احتل بيروت بكل الهمجية والوحشية، وعلى مرأى من العالم كله، وأسماء الشهداء الذين مضوا تباعاً وبالعشرات يومياً، وأسماء الجرحى الذين ضاقت بهم المشافي، وأسماء أمكنة أحياء بيروت وحاراتها التي نهضت جميعها لمواجهة الغازي الصهيوني.
ولد علي فودة في بلدة قنير /حيفا/ /سنة 1946 فتعلم ودرس المرحلة الابتدائية
والإعدادية في البلدة، وحين انتقلت أسرته إلى مدينة طولكرم درس فيها المرحلة
الثانوية، ثم غادر مع أسرته مطرودا من الضفة الفلسطينية عام 1967 وفي أعقاب
حرب الايام الستة، انتقل إلى مدينة عمان، وهناك انتسب إلى معهد المعلمين، وبعد تخرجه
زاول التعليم مدة عشر سنوات، ثم التحق بالمقاومة الفلسطينية في منتصف السبعينيات، حين غادر إلى العراق، وقد انحصر عمله في المجال الإعلامي، فكان محرراً ومشرفاً على الصفحات الثقافية، بعد العراق انتقل إلى مدينة بيروت ليعمل في مجلة (فلسطين الثورة) محرراً ثقافياً أيضاً.
تميز علي فودة من غيره بعلو الصوت، والمجاهرة، والحضور، والمصارحة، وتوطيد ما سماه ثقافة( المكاشفة) على أسس وطنية، تلك الروح الثورية التي عرفها علي فودة، وعاش بها ،وعليها، وتلك القصائد الحادة التي لا تعرف المهادنة، انجدلتا معاً للتطويح به من مكان إلى آخر، ومن حالة تبنٍّ إلى حالة تبنٍّ مضادة، لذلك اتسمت حياته الثقافية خلال السنوات العشر التي عاشها في بيروت، وقبل استشهاده عام 1982.. بالتشظي والتشتت ما بين دائرة وأخرى، ووكالة أنباء، وصحيفة ، ومجلة.. إلى أن استقر به المقام، وفي أثناء الغزو الإسرائيلي لبيروت، فعمل على إصدار صحيفة( الرصيف ) مع مجموعة من الإعلاميين والشعراء والادباء الذين عرفوا باسم ( جماعة الرصيف )، وقد قاموا معاً بتحرير صفحات الصحيفة، والتقاط صور المقاومين وهم في خنادقهم ومواقعهم، وأخذوها إلى المطبعة، وبعد الطباعة وزعوا الجريدة بأنفسهم وقوفاً على أرصفة بيروت، وهم ينادون: أخبار( الرصيف) اليوم.
وقد شكلت هذه الصحيفة ، طوال فترة المقاومة الفلسطينية واللبنانية للغزو الصهيوني ظاهرة إعلامية غير مسبوقة لأن أخبارها كانت يومية، بل كانت أخبار الساعة بالساعة،أي كلما امتلأت صفحاتها بأخبار الحرب..طبعت! وبذلك صارت مصدرا إعلاميا تأخذ عنه الصحف والمجلات الصادرة في بيروت آنذاك (1982)، ولهذا ليس من الغريب أن نعي علي فودة شهيدا صدر في الصحيفة مرتين، في المرة الأولى لم يكن علي فودة قد استشهد بعد على الرغم من أن الدماء التي صبغته والأشلاء التي تساقطت من جسده كلها أوحت لرفقته بانه استشهد! لكن الخبر التالي لخبر استشهاده نفى ذلك، ثم عاد الخبر ليؤكد رحيله في اليوم الثاني.
عرف علي فودة بين الأدباء والمثقفين الفلسطينيين بالشاعر الذئب بسبب قوة قصائده ، وغضباتها، وانتقاداته العاصفة، وعدم مهادنة أحد حين يقترف الأخطاء الأخلاقية، والوطنية ، بحق الآخرين والمجتمع، وبحق القضية وأحلام أهلها، لهذا لم تكن علاقاته حسنة مع الآخرين بسبب مزاجه الحاد الذي يعرف أن للسيف قبضة واحدة مثلما يعرف الفلاحون أن لحبة القمح باطناً وظاهراً ، ولهذا لقب أيضاً بالرجل الغاضب!
غنّى علي فودة لفلسطين، سيدة العمران، والأرض، وزراعة الزيتون والدوالي والليمون، بانية القرى والمدن، وفاتحة الدروب في لجة البحر الأبيض المتوسط، ومدونة التاريخ ، وبيت القداسة والأنبياء، ودارة الأساطير والميثولوجيا، ثم غنى علي فودة نشور الفلسطينيين واستنفارهم من أجل استعادة الأرض، ومحو التواريخ المظلمات، والقبض على زمام المبادرة سيراً نحو المستقبل، فآخى الفدائيين في كهوفهم وقواعدهم ومغرهم وأغوارهم وأحراشهم.. فكتب بذوب القلب حالات استشهادهم وفقدهم، وأسرهم، واعتقالهم، وبذلك اجتمعت قصيدة علي فودة على ما اجتمت عليه قصائد:
محمود درويش، وخالد أبو خالد، وأحمد دحبور، وعز الدين المناصرة، ومحمد القيسي ومعين بسيسو، وتوفيق زياد، وسميح القاسم، وسالم جبران..،من دعوة صريحة تبشر بزمن جديد للفداء، والصدق، والإخلاص من أجل استعادة البلاد الفلسطينية العزيزة من الأيدي الإسرائيلية السود الغاصبة.
ولا شك في أن شعر علي فودة معروف، وذائع الصيت بنبرته الحادة، وكثافته الحارة، وغنائيته المرسلة، ومصداقيته العالية، وانحيازها إلى النبل والاستقامة.. لكن ما لا يعرفه الكثيرون أن له رواية عنوانها (الفلسطيني الطيب) يظهر فيها اجتماع موهبة علي فودة وثقافته وإبداعه ورؤيته المستقبلية تجاه الواقع الفلسطيني في مرحلة سنوات السبعينيات، لكن هذا لا يمنع من القول إن دواوين علي فودة( فلسطيني كحد السيف)، و(قصائد من عيون امرأة)، و (عواء الذئب)، و(الغجري)، و(الأورق السرية للعشب) هي التي سمت بشهرته وأذاعت صيته، فهو شاعر من قبل، ومن بعد.
Hasanhamid5656@gmail.com
مواضيع ذات صلة
"اتفاق تسليم السلاح".. هدف كامل ونصف خسارة!
علي فودة
الضفة حاضرة في الصورة.. غائبة عن الرواية (الجزء الثاني)
ما بعد الحرب في غزة... بين الترتيبات الدولية واستحقاقات بناء المستقبل الفلسطيني
إذا قررنا دفع الثمن.. هل سنحقق الأهداف؟
العدالة لا تستقيل ولا تقال.. وملف الإبادة بذمة الضمائر
لا تحاكموا الضحية.. فالأزمة الفلسطينية صنعت تحت الاحتلال الإسرائيلي