غزة على حافة منعطف جديد.. قراءة في مؤشرات التصعيد ومسؤولية اللحظة
د. حكمت نبيل المصري*

لا تحتاج القراءة الدقيقة للمشهد الإسرائيلي تجاه قطاع غزة إلى كثير من الجهد لاستخلاص نتيجة واحدة: هناك مؤشرات متراكمة تدفع باتجاه مرحلة جديدة قد تكون أكثر خطورة من سابقاتها، في وقت يبدو فيه الفلسطينيون أكثر انقسامًا، وأكثر إنهاكًا، وأقل قدرة على التأثير في مسار الأحداث.
ففي الأسابيع الأخيرة، تزايدت المؤشرات القادمة من إسرائيل بصورة لافتة. اجتماعات أمنية تناقش سيناريوهات التهجير، وخطط عسكرية لتوسيع مناطق السيطرة داخل القطاع، بعد أن أصبح الجزء الأكبر من غزة خارج السيطرة الفعلية لسكانه، إضافة إلى خطاب سياسي وإعلامي يمهد للرأي العام الإسرائيلي بأن الحسم العسكري ما زال خيارًا مطروحًا.
وفي هذا السياق، نشرت القناة 13 الإسرائيلية، في 24 حزيران/يونيو 2026، تحليلًا أشار إلى أن جولة عسكرية قصيرة قد تكون كافية –وفق التقدير الإسرائيلي– لإنهاء ما تبقى من القدرات العسكرية لحركة حماس. وبغض النظر عن دقة هذا التقدير، فإن توقيته وسياقه السياسي يثيران الانتباه، خاصة مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، حيث اعتادت الحكومات الإسرائيلية توظيف الملفات الأمنية لتعزيز حضورها السياسي وكسب الرأي العام.
لكن ما يثير القلق أكثر من هذه المؤشرات هو الواقع الداخلي في قطاع غزة.
فالمجتمع يعيش حالة إنهاك غير مسبوقة. مئات الآلاف ما زالوا بين النزوح والخيام، والاقتصاد يكاد يكون معدومًا، والخدمات الأساسية في أدنى مستوياتها، فيما تتآكل الثقة بكل الفاعلين السياسيين نتيجة غياب أي أفق واضح للخروج من الأزمة.
إن استمرار إدارة الملفات المصيرية بمنطق التأجيل أو المناورة يحمل مخاطر كبيرة. فكل يوم يمر دون توافق وطني حقيقي يمنح الأطراف الأخرى مساحة أوسع لفرض وقائع جديدة على الأرض، قد يصبح التراجع عنها أكثر صعوبة مع مرور الوقت.
ومن هنا، فإن المسؤولية الأكبر تقع على عاتق حركة حماس بوصفها الطرف الذي تولى إدارة قطاع غزة خلال السنوات الماضية. فاللحظة الراهنة تتطلب خطابًا سياسيًا مختلفًا، يتسم بالمسؤولية والواقعية، ويغلب المصلحة الوطنية على الحسابات التنظيمية، ويعمل على احتواء الاحتقان الشعبي بدلًا من الدخول في أي مواجهة معه.
كما أن أي مسار سياسي جاد لا يمكن أن يتجاوز قضيتين أساسيتين: مستقبل إدارة قطاع غزة، ومستقبل السلاح. فهاتان القضيتان أصبحتا في صلب أي نقاش فلسطيني أو عربي أو دولي يتعلق باليوم التالي للحرب، وأي تجاهل لهما لن يؤدي إلا إلى إطالة أمد الأزمة.
إن الجهة التي ستتولى إدارة القطاع لا بد أن تكون هي الشرعية الفلسطينية التي تحظى بقبول عربي ودولي، بما يسمح بإعادة الإعمار، واستعادة المؤسسات، وتوفير الحد الأدنى من الاستقرار. أما استمرار الانقسام، أو الإصرار على صيغ لم تعد قابلة للحياة سياسيًا، فلن يقود إلا إلى مزيد من العزلة والفوضى.
لقد أثبتت التجربة أن الحروب لا تنتهي بانتهاء العمليات العسكرية، وإنما تنتهي عندما تنجح السياسة في إنتاج تسوية تحفظ حياة الناس وكرامتهم. أما إذا بقيت السياسة أسيرة الحسابات الفصائلية، فإن غزة ستظل تدفع ثمنًا لا يملكه أحد.
--------
* صحفي وكاتب مختص في الشؤون الدولية، وباحث في قضايا العدالة والنزاعات المسلحة
مواضيع ذات صلة
غزة على حافة منعطف جديد.. قراءة في مؤشرات التصعيد ومسؤولية اللحظة
خطاب الحق العقلاني بمواجهة الدعاية الغرائزية!!
غزة بين توسع الخط الأصفر وسياسة الشطب والاستبدال
عندما لا تكفي الوسوم .. قراءة في تعثر حراك 26 يونيو
حكومة د. مصطفى.. بين التحديات ومتطلبات الصمود
معيار اليد الواحدة.. إطار جديد لإدارة المسؤولية وتعزيز الثقة في سلاسل التوريد
خطر الدويلات الطفيلية على الدولة الوطنية!