عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 02 تموز 2026

خطاب الحق العقلاني بمواجهة الدعاية الغرائزية!!

سؤال عالماشي - موفق مطر

تعاني الأحزاب والجماعات السياسية في بلادنا من أزمة التفريق بين الخطاب والدعاية، ذلك أنها تستخدم ذات المفردات رغم الفارق الجوهري بينهما، حتى وإن تشابهت الوسائل والأدوات المستخدمة، وبذلك ينعكس هذا الخلط المقصود أحيانا، والناتج عن جهل أحيانا أخرى على المجتمعات المتلقية، التي نراها تائهة بلا هدي في مسارات الحياة.

تتحرك لكنها لا تتقدم، تنمو ولكن بتزايد العدد فقط، على حساب الجوهر، تحتشد وتهتف وتثير الغبار والضجيج، لكن بلا آثار ونتائج عملية، حتى وإن بدت مظاهر بعضها منظمة، لكنها بالمقارنة العلمية البحثية بينها وبين تشكيلات أسراب طيور اللقلق المهاجرة التي نراها في مواسم محددة سنجد فرقا كبيرا، بين نظام طبيعي مورث يسمى غرائزي –رغم تأكيدات العلم بأنه متطور وفيه مكتسبات ولكن غير ملحوظة للبشر– وبين نظام بشري يفترض أنه متطور ومتقدم دائما لكنه ما زال محصورا في دائرة يمكن تسميتها دائرة الغرائز البشرية – رغم مكانة الإنسان السامية باعتباره المخلوق العاقل الأرقى على الأرض والكون أيضا!!

أما الأسباب لهذا التيه والانحصار، فيمكن الإشارة الى أهمها، وهو ناظم وصاحب الدعاية المستفيد، الذي خرج قصدا عن جوهر الخطاب باعتباره رسالة، وقرر جذب الجموع، بالضرب على أوتارها الانفعالية مستمرئا الاستهتار بمشاعر وأحاسيس الجمهور المستهدف، ومستخدما لغة تفعيل الغرائز البشرية، أو التي لا يتجاوز تأثيرها مسمع الجمهور لتلبي النداء بلا الحد الأدنى من التفكير، أو أخذ النفس لإعادة الحساب، واستخلاص النتائج.

فالقضية الأهم بالنسبة لهذا: توسيع مدى الحشد طولا وعرضا على الأرض لإظهار قوة من نوع ما، لتحقيق مصالح ومكاسب الجماعة أو الحزب التي غالبا ما تعود على المتحكمين في المربع الأصغر، أما الجمهور المستخدم من المتمترسين في المربع الآمن والعاملين على تأمين مصالح أجندات خارجية فليس مطلوبا منه سوى (التضحية) والتي بات معلوما أن معناها الحقيقي هو الموت مجانا، والعبث بمقومات الحياة، وقبول الدمار وكل ما يحدث كقضاء وقدر!!

أما الذي اعتقد بمكانة وقداسة النفس الإنسانية، وأبدى الاحترام اللامحدود لعقل وفكر ومشاعر وأحاسيس الجماهير، واتبع منهجا سياسيا قويما، يعالج قضايا الحياة كلها، ونظمه بلغة منطقية معرفية عقلانية، وبثه عبر رسالة (خطاب) واضحة الملامح، تشع بفكر إنساني خالص، محمولة على الصدق والإخلاص في العمل الوفاء لمصالح الشعب العليا، وتقديس النفس الإنسانية، لاعتقاده أنه لا يجوز الاستهتار بقيمتها ومكانتها، أو التفريط بها تحت شعارات واهية، لم تجلب إلا نكبة تلو أخرى، لكنا رغم تواصل صاحب الرسالة (الخطاب) بلغة تحمل مفرداتها الواضحة، جوهر الفكرة الأنبل للإنسان (الحرية والاستقلال) ويبثها من دائرة الصراحة بثقة العارف الواثق بإمكانية تحقيق الأهداف بالوسائل المشروعة المنسجمة مع الواقع، لكنا نراه عرضة للافتراء، وسهام الغدر الممنهجة، المنطلقة من جهات عدة تكن العداء المطلق له، لاختياره السلام على حساب الحروب والصراعات الدموية، ولأنه يعتقد أنه يقود عقولا إنسانية تفكر، وتبدع، وتختار بحرية، ولا يقر ولا يعترف أبدا بالمفاهيم الخاطئة السائدة للسياسة مثل (فنون الكذب واللف والدوران العبثية) فالسياسة عنده على حقيقتها، كما يؤمن بها ويعرفها العقلاء أنها: "فن وعلم إصلاح الأمور" لذلك لم تنقطع محاولات المعنيين بتشويه صورته، وربما اغتياله معنويا، باستخدام أدواتهم القذرة، لبث دعاية تحمل سمومهم التي طبخوها في مختبرات أجهزة دول وجماعات لتحقيق غاية لا هدف لهم منها سوى إزاحة صاحب الرسالة (الخطاب الصريح) الواقف الصامد كجبل بوجه رغباتهم السلطوية (الأنانية).

والمصيبة أنهم يمارسون دعايتهم رغم انكشافهم وسقوط كل أقنعتهم عن وجوههم التي لم تنفع معها عمليات التجميل السياسية، رغم الدعم المادي والنوافذ الإعلامية المفتوحة على مصاريعها لهم ليلا نهارا لبث دعايتهم المسممة لعقل المتلقي، لما فيها من فيروسات تجعله في أضعف حالات قدرته على التمييز بين رسالة الحق، وفكر حاملها، وبين دعاية مُستَخدَم لدى منظومة الباطل، المجرد من بذور الفكرة النبيلة، وأدنى درجات التعقل.

فصاحب الدعاية السوداء لا يقصد الرؤى والحوار كما يقصدهما صاحب الرسالة (الخطاب) وإنما يعتمد الكذب، وبث معلومات خاطئة ومضللة، وتشويه الحقائق والوقائع، على عكس صاحب الرسالة الذي لا يبث للناس إلا الفكرة شفافة متماسكة، منطقية وموضوعية، واقعية قابلة للتنفيذ، لكن بشرط إخضاعها لرقابة العقل والضمير الوطني الإنساني الخالص، والعمل الجاد دون مواربة أو تضخيم للذات لاستخلاص الأحكام والنتائج من التجارب، فالمقصد هنا أن تصل الفكرة إلى موقع صدارة القناعة لدى المتلقي (الشعب) خصوصا، والإنسانية عموما وليس فئة محدودة بعينها!