عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 14 أيار 2026

فتح ودروس النكبة والمستقبل

باسم برهوم

مؤسسو فتح، نهاية خمسينيات القرن العشرين كانوا أكثر من غيرهم من النخب الفلسطينية إدراكا وبشكل أعمق لدروس وعبر النكبة، خاصة أهمية إبراز الشخصية الوطنية الخاصة للشعب الفلسطيني، وأن يمتلك هو وحده قراره وهو من يقرر مصيره بنفسه، وأنه لا يمكن أن يحظى شعب بالحرية وتقرير المصير ما لم يكن يتحكم بقراره الوطني. 

هذه المبادئ هي ما ميز فتح عن غيرها من المحاولات التي قامت بها النخب الفلسطينية آنذاك بعد حصول النكبة، تلك النخب التي اختارت في معظمها الاندماج بأحزاب وحركات الدول التي لجأت اليها، سواء كانت أحزابا قومية أو يسارية أو حركات وأحزاب الإسلام السياسي مثل جماعة الإخوان المسلمين وحزب التحرير.

فتح نشأت كحركة وطنية فلسطينية مستقلة لا تتبع لأي حزب آخر أو حركة أخرى ولم تتبع أي نظام عربي، هي حركة فلسطينية خالصة، وضعت لنفسها هدف التحرير والعودة، وقالت إن ذلك لن يتم أو ينجح بدون إعادة توحيد الشعب الفلسطيني، ولكن هذه الوحدة بدورها لن تتم إلا إذا أعاد الشعب الفلسطيني اكتشافه لذاته الوطنية، وهويته الخاصة به.

لذلك جاء المسعى الأول لفتح هو إبراز الشخصية الوطنية الخاصة بالشعب الفلسطيني وتعزيز هويته الوطنية. ولكن وبعد سنوات من تأسيسها اكتشفت أن هذا الأمر لن يتم إلا إذا انطلقت بالثورة الفلسطينية المسلحة، بالاعتماد على النفس، ثورة لا يرتهن قرارها لأحد، وهو ما سيجعل الشعب الفلسطيني يدرك هويته الوطنية، ويلتف حول ثورته.

بعد مضي 78 عاما على النكبة، وظهور هذا الكم من المؤرخين الذين تناولوا النكبة وحرب العام 1948، مؤرخين فلسطينيين وعرب وإسرائيليين، وخاصة المؤرخين الإسرائيليين الجدد، ومن بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية، قد يكون هناك إجماع فيما بينهم، أن النكبة ما كانت لتكون بهذا الحجم من الفاجعة للشعب الفلسطيني لو كان هناك قيادة وطنية فلسطينية قوية موحدة، والأهم أنها لم تفرط بقرارها الوطني المستقل.

صحيح أنه لا يمكن لوم الضحية، فأعداء الشعب الفلسطيني كانوا وما زالوا أكثر قوة، وكانوا يتلقون الدعم من الغرب والشرق في حينه، بالمقابل لم يكن لدى الشعب الفلسطيني حليف واحد حقيقي يمكن الاعتماد عليه ولكن المقصود هنا، هو القدرة على تلافي الكارثة بشكلها الشنيع الذي تم في غياب وجود القيادة القوية والوحدة والممسكة بقرارها الوطني هو من جعل النكبة بمثل هذه النتائج القاسية.

واليوم ونحن نعيش لحظة انعقاد المؤتمر الثامن لفتح، فإن الحديث لا بد أن يتركز على المستقبل، والحديث بالضرورة أن يبدأ من فتح، التي عليها قبل كل شيء أن تحافظ على روحها الوطنية، التي ميزتها عمّا عداها وأكسبها الدعم الشعبي، أن نلمس قوتها بوحدتها وتماسكها، والأهم أن تبقى ممسكة بالقرار الوطني الفلسطيني مهما بلغت الظروف قسوة وصعوبة. ومع الإدراك التام بهول الواقع الراهن، فإن فتح هي الأقدر، أو لا تزال كذلك، هي القدرة على إعادة توحيد الشعب الفلسطيني، وتقديم رؤية لمستقبله، تنطلق من برامج عمل واقعية لتعزيز صموده على أرضه.

ما ينتظره الشعب الفلسطيني من فتح أن تعيد له هويته الوطنية، التي أصابها كم من التشويه وطغيان الهويات الأخرى عليها في السنوات الأخيرة. أن تكون فتح أكثر حسما أمام محاولات خطف الشعب الفلسطيني نحو هويات تبعده عن مسألته الوطنية الخاصة، وخاصة محاولات حركات الإسلام السياسي.

الواقع يعاني من هشاشة كبيرة وليس سوى فتح بما تملكه من روح وطنية قادرة على إعادة نسج الحالة الفلسطينية، ولم شملها.

المستقبل لن يقبل أي غياب لديمقراطية النظام السياسي الفلسطيني، وغياب برامج تنموية، والبداية قد تكون من التعليم وضرورة إعادة بنائه على أسس عصرية، تنمي روح المواطنة، روح الحوار، والعقل العلمي. المستقبل لن يقبل إنسان فلسطيني يسهل تضليله وأخذه إلى أجندات غير وطنية وهذه هي مهمة فتح وليس غيرها من الفصائل التي طالما عملت لصالح أجندات خارجية، ومن هنا تأتي أهمية العمل على عقل المجتمع وتحريره من سطوة الأجندات الأخرى عليه.

صناعة المستقبل تبدأ من فهم دروس وعبر التاريخ، دروس وعبر النكبة، ومن فهم الواقع، الذي عاد من خلاله الشعب الفلسطيني للعيش نكبة أخرى بدأت في السابع من أكتوبر عام 2023، فالسؤال: لماذا تتكرر النكبات؟ لعل الإجابة على هذا السؤال بالطريقة الصحيحة هو من سيوقظنا نحو الخطوة الأولى لبناء المستقلل.. نحو هدف الحرية والاستقلال.