مؤتمر فلسطين الثامن
سؤال عالماشي - موفق مطر

تبدأ صباح اليوم أعمال المؤتمر العام الثامن لحركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) الذي منحناه مسمى مؤتمر فلسطين، لأن الحقيقة أن مؤتمرات فتح العامة لم تكن مجرد استحقاق تنظيمي، لحركة تحرر وطنية، أو مؤتمر لحزب أو فصيل يعتمد نظرية (أيديولوجية)، وإنما مؤتمرات لتجسيد برامج وآليات الوفاء لقسم الإخلاص لفلسطين الذي يؤديه المناضل ساعة أخذ قراره المفصلي، بتكريس فكره وعمله وسلوكه باذلاً كل ما يستطيع من أجل الانتصار لفلسطين وتحريرها.
فأصل مبادئ الحركة فلسطين، وهدفها فلسطين، حتى مسماها كان الوطن فلسطين رديفا جوهريا للتحرر، وإذا دقق الباحث عن الحقيقة سيكتشف الشبه إلى حد التطابق ما بين فتح وفلسطين الوطن بأرضه من جليله إلى نقبه، ومن نهره الى بحره، فلسطين الوطن وشعبها بإرث حضاراته المتعاقبة، وثقافته الوطنية العربية الإنسانية، بتنوع الرسالات السماوية التي أضاءت عقول أمة الإنسان، ومنحت فلسطين سمة الأرض المقدسة، فتح الثائرة على الظلم والاحتلال الاستعمار والعنصرية والدكتاتورية التي فتحت صدرها لأحرار العالم لا تميز عرقا ولا لونا ولا جنسا ولا عقيدة ولا مذهبا، فتح العروبة والقومية التي تركت الشعارات المنفوخة كفقاعات الصابون العاكسة لألوان طيف جماعات وأحزاب متخلفة متجمدة في محطات الكلام والخطاب المثير للغبار لا أكثر، وسبقت بالفعل على الأرض معنى وحدة الشعوب العربية من أجل تحرير فلسطين.
ففتح لم تكن يوما لذاتها وإنما لشعب فلسطين وشعوب الأمة العربية والشعوب التواقة للحرية ومصدر إلهام لشعوب في شرق وغرب وشمال وجنوب العالم رأت فيها مدرسة مفتوحة بلا حدود على الأفق، حرة متحررة من سياج وسور الأيديولوجيا الضيقة التي لا تليق بوطن وقضية حق وأرض مقدسة بحجم فلسطين، ففلسطين على صغر جغرافيتها، إلا أنها أعظم وأكبر من كل الخرائط، إذا يكفي أنها مهد السلام على الأرض، وفي سمائها كانت نجوم فتح الهاديات لكل تواق للحرية والتحرر، وهكذا كانت وما زالت فتح التي ولدتها فلسطين، بعد مخاض النكبة، منذ تشكيل الخلية الأولى عام 1958 وبلغت النضج قبل اثنين وستين عاما (1964) ويوم قرر قادتها المؤسسون (الشباب) إطلاق الثورة الفلسطينية المعاصرة في الفاتح من يناير 1965 وما زالت المؤتمرات فرصة لاستلهام روح الإرادة والإيمان بالحق من شعبها، فتجدد شبابها لتبقى الأقدر على حمل الأمانة التي تعجز الجبال عن حملها، تعزز نضجها بالعقلانية والحكمة والواقعية السياسية التي منحتها فتح معناها الحقيقي وهو التمسك بالحق التاريخي والطبيعي لشعبها الفلسطيني، وسلوك الدروب الواقعية، واختراق الظروف لانتزاع حرية الإنسان وأرض وطنه، وانتزاع الاستقلال من بين أنياب وحش منظومة الاحتلال والاستعمار الاستيطاني والعنصرية المسمى (إسرائيل).
أما الإطار التنظيمي في مفهوم المناضل في حركة فتح فهو كابينة قيادة تحت سيطرة العقل الوطني، فهنا لا وجود لانتماء وولاء إلا للوطن (فلسطين) وكل فكرة ما لم يكن جوهرها فلسطين متبخرة حتما، هنا تشع الفكرة لأن فلسطين ماستها، وأحجارها الكريمة التي لا تقدر بثمن.. هنا في مؤتمرات فتح يصفد شيطان الأنا، ويخذله أبناء الشعب إذا حاول إقحام رأسه أو تلويث صدارة بيت الشعب الوطن، ويهزمونه إلى غير رجعة بقوة (نحن الوطنية) المستمدة من الشعب كل الشعب، فهنا لا يدافع المناضل إلا عن فكرة الخلود المتبلورة في معنى ديمومة الوطن (الشعب وثقافته وقوانينه العاكسة لإرادته، والأرض التي أنبتت آدمها الفلسطيني).
ستبقى مؤتمرات فلسطين الحق والحرية والسلام والاستقلال منعقدة ومفتوحة، فوحده الوطن (فلسطين) قد سبق الجميع بمؤتمراته الطبيعية والتاريخية، وسيبقى كذلك ما دامت حركة الشعب الفلسطيني تحدد مسارات المستقبل والزمن الآتي إلى الأبد.