فقيدا ثم شهيدا .. توفيق المساعيد
أحمد يوسف ضميري

أبلغ جيش الاحتلال الإسرائيلي، صباح الإثنين الماضي، الارتباط الفلسطيني في طولكرم بالعثور على رفات المسن الفلسطيني الحاج توفيق المساعيد، الذي فُقد منذ أشهر في محيط مستوطنة "أفني حيفتس" غرب طولكرم. وحين تسلمت عائلته الجثمان، لم تجد سوى عظامٍ وبعض مقتنياته الشخصية التي بقيت سليمة على نحو يثير الريبة والأسى معا، ثم وُوري الثرى في مقبرة ذنابة قبل مغيب الشمس.
لم تكن حكاية الحاج توفيق، البالغ من العمر ثلاثة وتسعين عاما، سوى قصة رجلٍ التصق بالأرض حتى آخر أيامه. فبعد نزوحه من مخيم طولكرم إلى حي الرشيد شرقي ذنابة إثر العدوان الإسرائيلي على المخيم، أقام عند أبنائه بالقرب من مستوطنة "أفني حيفتس"، وهناك ظل يحافظ على عاداته القديمة؛ يخرج إلى الحقول باحثا عن نباتات الأرض البرية كاللوف والخبيزة والميرمية، شأنه شأن كثير من كبار السن، ثم يعود مع المساء ليعتني بغنمه ومواشيه. غير أن خروجه الأخير إلى عيادة الوكالة للحصول على بعض الأدوية انتهى باختفاء غامض، فلم يعد إلى منزله بعد ذلك.
أبلغت عائلته الجهات المختصة فور فقدانه، وبدأت عمليات بحث واسعة شاركت فيها الأجهزة الأمنية ومتطوعون من القدس، كما جرى التواصل مع الجانب الإسرائيلي تحسبا لوجود أي معلومات لدى المستوطنين أو جيش الاحتلال، غير أن كل النداءات قوبلت بالصمت.
وبعد شهر، تحدث الإعلام الإسرائيلي عن العثور على جثة قرب المستوطنة، لكن لم يُسمح للعائلة حتى برؤيتها، واكتفى الاحتلال بأخذ عينات دم من أبنائه. ثم، وبعد أشهر من الغموض، سلم الجانب الإسرائيلي الرفات مدعيا أنه اكتُشف "بالصدفة".
غير أن هذه الرواية تترك وراءها أسئلة ثقيلة: لماذا غاب التعاون منذ اللحظة الأولى؟ وكيف لم يُعثر على الجثمان رغم عمليات البحث المكثفة في المنطقة ذاتها التي وجد فيها المستوطنون الجثمان بعد أشهر صدفة؟ ولماذا وُجد قرب المستوطنة، بينما كان متجها إلى ذنابة شرقا؟ ولماذا تأخر تسليم الجثمان كل هذه المدة؟ أم أرادوا للجثمان أن يتحلل حتى يخفوا آثار جريمة؟ وكيف بقيت أغراضه سليمة طيلة هذه الأشهر، إذا كانت معه في التراب؟
إذا بحثت عن إجابات هذه الأسئلة، فإنك ستصل إلى نتيجة واحدة مفادها أنه قتل. قتل من قبل بعض المستوطنين في تلك المستوطنة والاحتمال أن جيش الاحتلال أخفى جثته لفترة ليمحو آثار تلك الجريمة الشنيعة لا سيما بعد أن أصبح اختفاؤه قضية رأي عام.
وهذه الحادثة ليست سوى واحدة من سلسلة طويلة من اعتداءات المستوطنين وجرائمهم بحق القرى والأحياء الفلسطينية المجاورة لهم؛ تلك الأحياء التي لا تزال ترزح تحت وطأة الخوف والظلم، وتنتظر انقشاع هذا الليل الثقيل لتتنفس الأمان من جديد.
مواضيع ذات صلة
فقيدا ثم شهيدا .. توفيق المساعيد
بين الانفتاح والانغلاق: لماذا تبدو انتخابات فتح أكثر حضورا في النقاش العام؟
فتح القوية ضرورة وطنية
وسقط جميعهم في الكمين !
ماذا يعني أن يُنبش قبر في فلسطين؟
التسويق الوهمي... عروض مغرية تختفي عند باب المحل
المياه المعالجة: أمل جديد لبساتين فلسطين في زمن شحّ المياه وارتفاع الأسعار