عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 09 أيار 2026

بين الانفتاح والانغلاق: لماذا تبدو انتخابات فتح أكثر حضورا في النقاش العام؟

مريم شومان

في كل مرة تدخل فيها الساحة الفلسطينية مرحلة تنظيمية داخل إحدى الحركات الكبرى، يتحول المشهد تلقائيًا إلى مادة خصبة للنقاش السياسي والإعلامي، ليس فقط داخل الأطر الحزبية، بل على امتداد الفضاء الرقمي الفلسطيني بأكمله.

غير أن المتابع يلاحظ بوضوح وجود فارق جوهري بين الطريقة التي تُدار بها الانتخابات الداخلية في حركة فتح، وبين تلك التي تجري داخل حركة حماس، خصوصا ًمن حيث مستوى الحضور في النقاش العام، وحجم التفاعل المجتمعي والإعلامي المصاحب لكل تجربة.

هذا الفارق لا يتعلق فقط بطبيعة الإجراءات التنظيمية أو آليات الاختيار، بل يمتد إلى فلسفة العلاقة مع المجتمع، وحدود النقد المسموح، وطبيعة التفاعل مع الإعلام والسوشال ميديا بوصفها اليوم الساحة الأوسع لتشكيل الراي العام.

لم تعد المنصات الرقمية مجرد أدوات لنقل الأخبار، بل أصبحت مساحة حقيقية لقياس مستوى الانفتاح السياسي داخل أي حركة أو مؤسسة، فكلما اتسعت مساحة النقاش العلني حول القرارات الداخلية، ارتفع حضور تلك الحركة في الوعي العام، وكلما ضاقت مساحة التعبير بدا المشهد أكثر انغلاقًا وغموضا.

في حالة حركة فتح، تبدو الانتخابات والمؤتمرات التنظيمية مادة يومية للنقاش على وسائل التواصل الاجتماعي، أعضاء في الحركة، قيادات سابقة، كتّاب مستقلون، وحتى خصوم سياسيون، يشاركون بشكل علني في تقييم الأداء، وانتقاد بعض الشخصيات، ومناقشة البرامج السياسية، وآليات اختيار أعضاء المؤتمر وفرص الإصلاح الداخلي.

هذا الحضور الكثيف لا يعني بالضرورة غياب الأزمات أو التباينات داخل الحركة، بل على العكس، يكشف حجم التفاعل المجتمعي معها باعتبارها جزءا متداخلا ًمع الحياة السياسية الفلسطينية اليومية، ففتح بحكم تاريخها وموقعها في النظام السياسي الفلسطيني تبدو أكثر التصاقا بالمجتمع، وأكثر عرضة للنقد والمراجعة العلنية، وهو ما يجعل تفاصيلها الداخلية متاحة باستمرار للنقاش العام.

في المقابل، تبدو انتخابات حركة حماس أقرب إلى العملية التنظيمية المغلقة، التي تُدار ضمن نطاق داخلي شديد الخصوصية؛ المعلومات المتعلقة بالانتخابات، او بالخلافات الداخلية، أو بطبيعة التوازنات القيادية، تبقى محدودة التداول، وغالبا ما تصل للرأي العام بصورة مقتضبة أو غير مكتملة.

هذا النمط لا يرتبط فقط بالاعتبارات الأمنية التي تطرحها حماس باستمرار، بل يعكس أيضا طبيعة بنيوية مختلفة في إدارة العلاقة مع الإعلام والراي العام، فحماس منذ نشأتها اعتمدت على نموذج تنظيمي يقوم على سلطوية القرار وضبط الرسائل الإعلامية، وتقليص المساحات المفتوحة للنقاش الداخلي في العلن.

ولهذا، فإن السوشال ميديا، التي تحولت لدى كثير من الحركات السياسية حول العالم إلى  مساحة للنقد والتفاعل والتسويق السياسي، تبدو في الحالة المرتبطة بحماس أقل تنوعا من حيث الأصوات والآراء،  كما أن حالة الاستقطاب الحاد التي تحيط بالحركة تجعل أي نقد داخلي أو خارجي يُستقبل أحيانًا بوصفه استهدافًا سياسيًا، لا مساهمة في النقاش العام، الأمر الذي يدفع كثيرًا من النخب والناشطين إلى تجنب الخوض العلني في تفاصيل العملية الانتخابية أو تقييم أداء القيادة.

في زمن الإعلام الرقمي، لم يعد ممكنا الفصل بين التنظيم السياسي والمجتمع، فالحركات التي تسمح بتعدد الأصوات وتتحمل النقد العلني وتفتح المجال للنقاش، تبدو أكثر قدرة على البقاء داخل المجال العام، حتى لو تعرضت لهجوم مستمر أو واجهت أزمات داخلية.

أما التنظيمات التي تميل إلى إدارة شؤونها بعيدا عن النقاش المجتمعي، فإنها تحافظ على تماسكها الداخلي ظاهريا، لكنها تخسر تدريجيا مساحات التفاعل الطبيعي مع الرأي العام، وتتحول علاقتها بالجمهور إلى علاقة أحادية الاتجاه تقوم على التلقي لا المشاركة.

وفي الحالة الفلسطينية، تبدو هذه المسألة أكثر حساسية، لأن المجتمع الفلسطيني يعيش أصلا تحت ضغوط سياسية واقتصادية ووطنية كبيرة، ما يجعل الحاجة إلى الشفافية والنقاش المفتوح جزءًا من أي عملية سياسية تسعى للحفاظ على ثقة الناس.

تكشف التجربتان، فتح وحماس أن السوشال ميديا لم تعد مجرد أداة إعلامية، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لمدى تقبل الحركات السياسية لفكرة المشاركة المجتمعية، فالمساحة التي يُسمح فيها بالنقد، وحجم تداول المعلومات وطبيعة النقاشات المفتوحة، أصبحت مؤشرات على طبيعة الثقافة السياسية داخل التنظيم نفسه.

ورغم ما تواجهه حركة فتح من انتقادات حادة، بل وأحيانا من حملات تشكيك واسعة، إلا أن وجود هذا السقف المرتفع من النقاش العلني يعكس حالة من التفاعل المستمر بين الحركة والشارع الفلسطيني، وهو ما يمنحها قدرة أكبر على مراجعة الأخطاء وإعادة إنتاج خطابها السياسي وفق المتغيرات.

أما استمرار الانغلاق الإعلامي والتنظيمي، مهما كانت مبرراته، فإنه يترك فراغًا واسعًا أمام الإشاعات، ويحدّ من قدرة المجتمع على فهم التحولات الداخلية أو المشاركة في تقييمها، خصوصًا في عصر أصبحت فيه المنصات الرقمية جزءًا أساسيًا من تشكيل الوعي السياسي الجمعي.

وفي النهاية، فإن قوة أي حركة سياسية اليوم لا تُقاس فقط بقدرتها التنظيمية أو بحجم نفوذها، بل أيضًا بقدرتها على التفاعل مع مجتمعها، واحتمال النقد، والانفتاح على النقاش العام، لأن السياسة في العصر الرقمي لم تعد تُدار خلف الأبواب المغلقة، بل في فضاء مفتوح يراقبه الجميع ويشارك فيه الجميع.

من هنا؛ فإن حركة فتح، كونها نموذجًا لحركة جماهيرية منفتحة مطالبة اليوم بتحويل هذا الانفتاح إلى نهج مؤسسي دائم، عبر توسيع مساحة المشاركة الرقمية، وتعزيز الشفافية، بما يرسخ صورة فتح كحركة وطنية جماهيرية قادرة على التجدد، وحماية الحياة السياسية الفلسطينية من الانغلاق والعزلة والتكلس التنظيمي.