من الإخطار إلى الاقتلاع: هندسة التهجير الصامت
لما عواد

في أحياء القدس، لا تحتاج العائلة إلى صوت الجرافة كي تدرك أن بيتها في خطر. يكفي إخطار قضائي، أو أمر هدم معلّق، أو مخالفة مالية تتجاوز القدرة على السداد. منذ تلك اللحظة، تتحول الحياة اليومية إلى حالة ترقّب دائم؛ انتظار لقرار قد يأتي في أي وقت، لكنه حاضر نفسيًا في كل وقت. يصبح النوم مؤقتًا، والاستقرار وهمًا، والمستقبل مؤجلًا إلى إشعار آخر.
ليست أوامر الإخلاء المتلاحقة حدثًا يمكن فهمه باعتباره نزاعًا عقاريًا عابرًا أو نتيجة مسار قانوني تقني. هذا التفسير، رغم بساطته، يخفي أكثر مما يشرح. ما نشهده في القدس هو عملية أوسع: إعادة تشكيل للحيّز الجغرافي والبشري عبر منظومة أدوات قانونية وإدارية تبدو محايدة في ظاهرها، لكنها تُنتج في النهاية واقعًا ديموغرافيًا وثقافيًا جديدًا، وتعيد توزيع إمكانيات البقاء والحضور داخل المدينة.
من هنا، فإن توصيف ما يحدث بـعاصفة تهجير لا يصدر عن انفعال لغوي، بل عن قراءة تاريخية لمسار طويل يتكرر بأشكال مختلفة، حيث لا يأتي الاقتلاع دفعة واحدة، بل عبر تراكم ضغوط صغيرة، قانونية في شكلها، لكنها استراتيجية في نتائجها. العاصفة ليست لحظة الهدم فقط؛ العاصفة هي السنوات التي تسبقها، حين يُعاد تعريف الممكن والمسموح، ويتحول الحق إلى عبء.
في السياق الفلسطيني، لم يكن التهجير يومًا مجرد انتقال قسري من منزل إلى آخر. إنه تفكيك تدريجي لمنظومة اجتماعية كاملة. حين تُقتلع عائلة، فإن شبكة العلاقات التي نسجتها، وسبل عيشها، وارتباطها بالمكان، وذاكرتها المتراكمة، كلها تتعرض للاهتزاز. البيت ليس جدرانًا، بل نقطة ارتكاز لحياة كاملة؛ ولذلك فإن خسارته تعني خسارة الاستمرارية، وضرب الإحساس بالأمان، وإضعاف القدرة على تخيّل المستقبل.
الأخطر أن هذه العملية لا تجري في فراغ سياسي أو قانوني دولي. فهي تتقدم في ظل نظام عالمي اعتاد الاكتفاء بلغة القلق والإدانة دون ترجمة ذلك إلى آليات ردع أو مساءلة فعّالة. ومع مرور الوقت، يتحول ما كان يُفترض أنه استثناء إلى وضع طبيعي. يصبح خبر الإخلاء بندًا عابرًا في نشرات الأخبار، ويتحوّل الألم إلى مشهد مألوف. هذا التطبيع مع التهجير هو أحد أعنف تجلياته، لأنه يجرّد الحدث من صدمته الأخلاقية ويعيد إنتاجه كواقع اعتيادي.
في القدس تحديدًا، يتضاعف المعنى والرهان. فالمدينة ليست مجرد مساحة للسكن، بل مركز ثقل رمزي وروحي وثقافي يتجاوز حدودها الجغرافية. أي تغيير قسري في تركيبتها السكانية هو تدخل مباشر في هويتها وفي الرواية التي تحكيها عن نفسها. لذلك فالتهجير هنا ليس إجراءً إداريًا بحتًا؛ إنه ممارسة سياسية بامتياز تعيد تعريف من يملك حق الحضور ومن يُدفع نحو الغياب، ومن يُعترف به كجزء من المشهد ومن يُراد له أن يصبح طارئًا فيه.
غير أن قراءة المشهد من خلال لحظة الإخلاء وحدها تبقى قراءة ناقصة. فالقرار النهائي ليس سوى الحلقة الأخيرة في سلسلة طويلة تبدأ بتخطيط عمراني مقيِّد، ونظام تراخيص بالغ التعقيد، وضغوط اقتصادية تجعل البقاء مكلفًا إلى حد الاستحالة. قبل أن يُطلب من الناس المغادرة رسميًا، تكون البيئة قد أُعيد تصميمها بحيث يصبح الرحيل الخيار الأكثر ترجيحًا، وربما الوحيد المتاح.
بهذا المعنى، نحن أمام سياسة إنتاج للهشاشة؛ حيث يُترك السكان في حالة عدم يقين دائم، بين تهديد محتمل وإجراء مؤجل، فيتحول الاستقرار إلى امتياز نادر بدل أن يكون حقًا أساسيًا من حقوق الإنسان.
إن مواجهة هذا الواقع لا يمكن أن تعتمد على الصمود المحلي وحده، على أهميته التاريخية والرمزية. المطلوب أيضًا تحريك أدوات القانون الدولي، وتعزيز الحماية للمدنيين، وإعادة تثبيت مبدأ أن الحق في السكن والانتماء إلى المدينة هو حق إنساني أصيل لا يجوز إخضاعه لموازين القوة أو الحسابات السياسية أو الوقائع المفروضة بالقوة.
المجتمع الدولي، من جهته، مدعو إلى مغادرة منطقة البيانات اللفظية نحو مساحة الفعل. لأن غياب المساءلة لا يعني الحياد؛ بل يمنح هذه السياسات وقتًا إضافيًا ومساحة أوسع لترسيخ نتائجها وتغيير الوقائع على الأرض بصورة قد يصعب التراجع عنها لاحقًا.
التهجير ليس قدرًا يتكرر بلا إمكانية للتغيير. إنه نتيجة قرارات بشرية وسياسات قابلة للمراجعة إذا توفرت الإرادة. وبين موجة وأخرى من هذه العاصفة، يبقى السؤال معلقًا أمام العالم: هل سيُنظر إلى ما يحدث كحوادث إنسانية منفصلة، أم كمسار بنيوي يعيد هندسة المكان والسكان ويتطلب معالجة جذرية تعيد الاعتبار للعدالة وكرامة الإنسان بوصفهما أساس أي مستقبل ممكن؟