بين أشواك طبريا.. وقصبها!
تغريدة الصباح-حسن حميد

وصلت طبريا ليلاً، بعد سهرة خرافية، ليلة الأمس، في أحد مقاهي صفد مع صديقي الدليل (عادل زيدان)، وأصدقاء وصديقات له، قال لي: لقد أحب أصدقائي، هنا في صفد، أن يروك، ويتحدثوا إليك، ويتعرفوا إلى كتاباتك المسرحية، يا صديقي (توماس بالك)، وهل ما زالت أشواق الناس للمسرح حاضرة في أوروبا، أم أن أعباء الحياة، وعدم مصداقية الأجوبة حول الأسئلة الجوهرية الدائرة حول الإنسان والقيم، وفي رأسها المحبة والحرية والجمال والخير والعدل.. طوت هذه الأشواق وجففتها! ولماذا الغرب القوي، لا يبدو قوياً وحاضراً ومبهجاً في الصورة التي نراه عليها!
حالما وصلت، رأيت الأضواء تعم طبريا.. الشوارع والبيوت والحدائق والأشجار، والأرصفة، ثم رأيت بهرة ضوء مدهشة وواسعة، وعرفت حين اقتربت السيارة منها أكثر، إنها بحيرة طبريا الأسطورية التي ارتبطت بمناددة الجمال ما بين الأرض والسماء، ومناددة جمال البحيرة المحاطة بأسوار من قصب طويل مدهش يركض في الفضاء عدواً ركض الرياح، وجمال النهر المقدس، نهر الأردن وهيبته العزيزة، وبمناددة اجتماع طيور الدنيا، والطمأنينة الممتدة مثل الظلال من أول عبور النهر واحتضان البحيرة له بالذراعين الطويلتين الدائرتين، إلى آخر حدود البحيرة التي تماهت به وتوحدت، فاختلط الماء بالماء، واللون باللون، وشغب النهر وهديره بهدوء البحيرة وصفائها، مثلما اختلطت لهفة لقائهما فبدت على صورة غبش يشبه غبشة الفجر الطالع على مهل من عتمة غامقة!
لم أعرف المكان الذي نزلت فيه تماماً، كانت الدنيا في آخر الليل، لكنه بيت صغير، مضاء، ونظيف، تدور فيه روائح طيبة، سقفه خشبي، وأرضيته مبلطة ببلاط جميل، والسرير رائع ووسيع، ومناداته لي عالية كي أنام بهدوء، فنمت ساعات لا أحلام فيها.
في الصباح الباكر جاءني صديقي الدليل (عادل زيدان) خفيفا، رشيقاً، يلبس ثياب الكتان الفضفاضة اللائقة بالمشي والراحة، قال: هيا انهض، يا كاتب ألمانيا (توماس بالك)، لقد صنعت القهوة في البيت، وأضفت إليها شيئاً من البهارات التي تجعلها أطيب قهوة لأحلى صباح، هيا انهض. قلت: أنشربها هنا؟ قال: لا، سنشربها على شط البحيرة جلوساً فوق مقاعد مصنوعة من شمع خلايا النحل، وسنأكل (سندويشات) الزعتر المقمر، والقريش الطيب، والجبنة الزاكية التي غدت مثل العسل المسال بعد تسخينها! قلت: أهكذا؟ قال: هكذا هي الصباحات التي تليق بطبريا.
يا إلهي أي بحيرة هذه، أي رؤية، أي لوحة، أي زينة رسمها الخيال النشط، إنها صينية فضة وسيعة جداً، أفلتتها يد السماء، بلا شك، وإلا من أين جاءت هذه الزرقة التي لم أر لها مثيلاً طوال حياتي، زرقة تري الناظر إلى قاع البحيرة أين تسكن الأسماك، وكيف تعيش، وإلى أين تسير، وما هي أنواع النباتات التي تحيط بها، وكيف تتحيدها كي تعبرها إلى أمكنة فيها أعشاب أخرى، كما تري الناظر إليها القطع النقدية المعدنية ذات اللونين الفضي والذهبي التي قرّت في أعماقها، والصخور والأحجار، بحجومها المختلفة، وقد استسلمت لوداعة الماء.
هنا، على الشطوط، مقاعد طويلة وقصيرة، وطاولات طويلة وقصيرة، وبشر جاؤوا مبكرين،
وبشر يلحقون بهم، وصخب ألوف جميل منشود لأطفال يلبسون ثياباً رائعة لكأنهم الأزهار المتأرجحة مع الأنسام، وحولنا باعة القهوة، ومناقيش الجبنة، والزعتر، والزيتون، وقطع الحلويات والكعك، وباعة الشاي، والحليب، والمناديل الورقية، وكتب الجيب، وقربنا المقاهي المتراجعة خلفاً، كي لا تزاحم الشواطئ، والدروب، ومساحات العشب الندي المضيء البارق مثل شرائط الحرير! قلت لدليلي (عادل زيدان) هنا أشعر بجوع شديد، مع أنني، في سهرة البارحة، أكلت طعام عشرة رجال يعملون بمقالع الحجارة، فهات ما جئت به يا صديقي (عادل زيدان)، واطلب لنا من هذا المقهى (المقهى الأزرق) المزيد من الطعام، وقل لي أيها الدليل العفي، ما هذا الجمال؟! ولماذا روحي ترقص، وقلبي يطير مثل العصافير، وبصري يحوّم مثل نحل طريد؟ قال: هذا سحر طبريا! قلت: وكم ساعة نحتاج كي نراها؟ قال ببساطة، كما لو انه يتنفس: نحتاج لأيام، وقد لا تكفي، قلت: أنا أعني الرؤية السريعة التي تترك في نفسي جمالاً لا أنساه. قال: ساعات.
نعم، هذا مكان خرافي، فـ (طبريا) مكان ارتبط اسمه بسيدنا، فطلبت من دليلي (عادل زيدان) أن نرى أمكنة الطمأنينة التي احتوت خوف سيدنا من مطارديه، أن نرى الأشواك التي حمته من طالبي دمه وروحه، وغابات القصب التي أخفته، ولم يسأل، في اللحظة تلك، إن كانت ملأى بحيوانات الماء والبر معاً، وأن نرى مشاهد المطاردة أو نتصورها مجازاً.
رأيت بيوت طبريا ذات الحجارة السود، المزنرة بالخطوط البيض، وحاراتها، وشوارعها، وأسواقها، وساحاتها، وسياراتها، وعربات الجر فيها المزينة كما لو انها هوادج فرح، ورأيت الباعة المتجولين، والفنانين الذين يرسمون، ويعزفون، فيخرجون أنغاماً جميلة من ناياتهم ومزاميرهم، والناس.. كلهم في الجهة الغربية من البحيرة، طي الهدوء، والجمال، والتأمل، والأسئلة، أما الرضا.. فيحيط بالبحيرة مثل الأساور.
قال (عادل زيدان)، انتبه، بدأنا الرحلة، هنا آثار خطا سيدنا، أترى، لقد جسدها الأهالي رسما ونحتاً بالحجارة والرخام، كي لا تضيع معالمها، وهذا، الذي نمشي فيه، هو سرداب معتم، بين الأشواك، وأجمات القصب، تقدم قليلاً يا (توماس بالك)، تقدّم أكثر رجاء، ادخل، لا تخش العتمة، هذا هو المدخل إلى طمأنينة سيدنا في هذا المكان، نعم إنه موحش، والأشواك، وجذوع نباتات القصب، وأعواد الزل تزاحم فسحة المكان فيضيق، قلت: أكان سيدنا يختبئ هنا، عند هذا الحجر الطويل الأسود، قال: نعم، قلت: إنه مكان مكشوف، فكيف لم يره مطاردوه! قال: ظنوا أنه رمى نفسه في البحيرة، ولم يدخلوا دغلة القصب والأشواك لأنها ذات وهرة راعبة لا تقتحم! قلت: يا لجمال هذا المكان، ويا لهذا الأنس، ويا لهذه الطمأنينة، لعلها باقية تخليداً لطمأنينة سيدنا، وتمددت بكامل جسدي، لكن (عادل زيدان) انتزعني انتزاعاً من المكان المحاط بالأشواق، والعتمة، وعيدان القصب والزل، فرجوته ألا يفسد الطمأنينة التي أشعر بها، قال: هيا، أمامنا أمكنة أخرى نريد أن نراها، وهي تنادينا يا (توماس بالك)، وخلفنا خلق، يودون رؤية ما رأينا، قلت: أصارحك يا صديقي (عادل زيدان)، روحي لا تريد المغادرة، وأن جسدي ثقل عليّ، ولعلني أشعر بأنني لا أمتلك الخطا في ساقيّ، قال: خذ، وناولني كأس القهوة، وهتف بي بحرارة: اشرب، ارجوك!
ملاحظة (1)
قلت لـ (عادل زيدان) أليس لديك شمعة، قال: لماذا؟ قلت: أريد ايقادها، كي أقرأ لك قصة من قصص القديسين التي تتحدث عن طبريا وقصبها، وأشواكها، والطمأنينة التي رمتها دغلة المكان في صدر سيدنا. قال مستغرباً: الآن! أنا لا شمعة لدي، ونحن لا نريد إفساد طقوس المكان، فهنا، واحتراماً لسيدنا، لا توقد الشموع، ولا القناديل، ولا النيران، هنا العتمة التي لا رفيق لها سوى الذكريات، والتأمل.
ملاحظة (2)
شعرت بعد خروجي، ودليلي (عادل زيدان) من سرداب العتمة النباتي، بهبوط قوة جسدي، ورجفة في أوصالي، رأيتها عياناً في أصابع يدي، لذلك لم أستطع الكتابة أكثر.
ملاحظة (3)
أجل، لقد رأيت، بعد أن أخذت قسطاً من الراحة، ما أذهلني في مدينة طبريا، وسأقوله لكم في المرة القادمة.