المقدسيات بين انتهاكات الاحتلال وضغوط الواقع.. صراع يومي للحفاظ على الهوية
حقوق مسلوبة ومسؤوليات مضاعفة

رام الله- الحياة الجديدة-عبير البرغوثي- في يدينةٍ يبعثر الاحتلال فيها دروب الحياة اليومية، ويعقد مشاغلها السياسية والقانونية والاجتماعية تعيش المرأة المقدسية واقعًا مركّبًا يتجاوز التحديات الاجتماعية التقليدية ليصل إلى تفاصيل الهوية والسكن والعمل والعلاقات الأسرية، بين القلق الدائم من سحب الإقامة، وتعقيدات لمّ الشمل، وضغوط إثبات السكن والحقوق، تجد المقدسيات أنفسهن في مواجهة منظومة متشابكة من الانتهاكات والإجراءات التي تنعكس مباشرة على استقرارهن الشخصي والأسري، وتفرض عليهن أعباءً قانونية ونفسية واقتصادية متراكمة.
واقع معقد مغلف بالصعاب والتحديات، فقدت خلاله المرأة المقدسية الكثير من الحقوق التي نصت عليها المواثيق والمعاهدات الدولية لحقوق الانسان لمجرد كونها مقدسية، وتحولت حياتها الى درب من الآلام لمجرد اتخاذها قرارًا يتعلق بحياتها الاجتماعية والشخصية، ويفرض عليها ان تقدم وتضحي بالكثير من أجل الحفاظ على حقها هذا بالإضافة الى حقها الطبيعي في الحفاظ على هويتها المقدسية.

"الحياة الجديدة" ترصد من خلال شهادات حية وخبرات قانونية واجتماعية ورسمية، كيف تتحول القرارات والسياسات الاحتلالية إلى وقائع يومية تعيد تشكيل خيارات المقدسيات، بدءًا من قرارات الزواج والسكن والعمل، وصولًا إلى النزاعات الأسرية وإثبات الحقوق القانونية والخدمات الأساسية. كما تسلّط الضوء على واقع اقتصادي هشّ وفرص عمل محدودة، إلى جانب الضغوط الاجتماعية والتحديات المرتبطة بتعدد القوانين وتنازعها، ما يجعل المرأة في قلب صراعٍ قانوني واجتماعي دائم.
ويقدّم التقرير قراءة تحليلية لواقع النساء المقدسيات في ظل سياق سياسي وقانوني احتلالي معقّد، مستعرضًا مواقف مؤسسات حقوقية واجتماعية ورسمية حول أبرز الانتهاكات والثغرات القانونية، ودور المانحين والمؤسسات الدولية، إضافةً إلى المبادرات المحلية الداعمة لتمكين النساء وتعزيز صمودهن. وبين الأرقام والشهادات، يتكشف مشهدٌ إنسانيٌّ يعكس حجم التحديات اليومية التي تواجهها المرأة المقدسية، ودورها المحوري في الحفاظ على تماسك الأسرة وصون الهوية الفلسطينية داخل المدينة.
الحفاظ على الهوية.. معركة يومية
تروي "م. ر"، وهي سيدة مقدسية، كيف أن الحفاظ على الهوية يتطلب جهداً مضاعفًا، إذ يجب جمع الوثائق والفواتير والإثباتات اليومية لإثبات السكن داخل المدينة. وتوضح: "حتى لو كنتِ تحملين كل الفواتير، ستبقين قلقة، أي خطأ أو نقص في الأوراق يعني المخاطرة بفقدان الإقامة، أو حرمان الأطفال من الهوية، أو توقف إجراءات لمّ الشمل. كل شيء عليكِ أنت وحدك، لا يستطيع الزوج المساعدة في كثير من الحالات."
تشير هذه الشهادة من الواقع إلى أن المرأة المقدسية تتحمل العبء الأكبر في التعامل مع المؤسسات الاحتلالية، من مكتب الداخلية إلى المدارس والمستشفيات، ما يجعلها في مواجهة يومية مع "البيرقراطية" والإجراءات التعسفية، ففقدان أي وثيقة أو التأخر في تقديمها قد يؤدي إلى فقدان الحقوق الأساسية، مثل التعليم أو الخدمات الصحية أو الحصول على الرعاية الاجتماعية.
الزواج... قرار شخصي تحت الضغوط
باتت الفتاة المقدسية اليوم مضطرة للتفكير مليًّا قبل الإقدام على حياة أسرية أو قرار الزواج، في ظل تعقيدات الاحتلال المنوعة. فإلى جانب الضغوط العائلية والمجتمعية المرتبطة بالأنماط التقليدية السائدة، لم يعد القرار فرديًا بالكامل، بل تحوّل إلى مسألة تخضع لحسابات الأسرة ومخاوفها من تبعات الواقع السياسي والقانوني.
وإذا كانت الفتاة تحمل الهوية المقدسية، التي يصدرها الاحتلال فإن ارتباطها بشريك ممن يحملون الهوية الصادرة عن السلطة الوطنية يضعها أمام تحديات معقّدة، أبرزها صعوبة إجراءات لمّ الشمل، واحتمالات عدم القدرة على الإقامة المشتركة داخل القدس، خاصة في الأحياء الواقعة خلف الجدار العنصري، فضلًا عن مخاوف فقدان الإقامة المقدسية نفسها. وفي المقابل، فإن ارتباط فتاة من حملة الهوية الفلسطينية بشريك يحمل الهوية المقدسية لا يقل تعقيدًا، إذ تفرض القيود والإجراءات الإسرائيلية شروطها على تفاصيل الحياة الأسرية، لتتجاوز آثارها البعد القانوني وتمتد إلى شكل العلاقات الاجتماعية وبنية الأسرة الفلسطينية.
لذلك تواجه المرأة المقدسية تعقيدات كبيرة عند اتخاذ قرار الزواج، خاصة إذا كان الزوج من الضفة. فتسجيل الزواج والحصول على تصاريح لمّ الشمل يستدعي سنوات من الإجراءات، وغالبًا مع مخاطر فقدان الإقامة أو حرمان الأطفال من الحقوق الأساسية.
وتوضح فدوى فرحان، مديرة النوع الاجتماعي في محافظة القدس: "المرأة المقدسية مضطرة للتفكير مليًا قبل الزواج، لأنها قد تفقد حقها في العيش مع زوجها أو الوصول إلى الخدمات الأساسية. وإذا كانت الضغوط العائلية والاجتماعية قائمة، فإنها تزداد بسبب سياسة الاحتلال، لتصبح قرارات الزواج قضية سياسية وقانونية في الوقت نفسه."
تتضاعف هذه التعقيدات إذا كانت المرأة ترغب في العيش داخل القدس، إذ تحدد سلطات الاحتلال مناطق السكن وفق الهوية، وغالبًا ما يُمنع الزوج من الضفة من الحصول على تصريح دخول، ما يفرض على الأسر اختيار مناطق بعيدة عن وسط المدينة، ما يزيد من التكاليف اليومية ويؤثر على استقرار الأسرة.
.jpeg)
الاقتصاد والعمل... قيود وفرص محدودة
تشير بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني لعام 2024 إلى أن نسبة مشاركة المقدسيات في القوى العاملة لا تتجاوز 10.7%، وهي أقل من المعدلات في الضفة الفلسطينية وقطاع غزة (حوالي 17%). وتعمل الكثير من النساء في وظائف منخفضة الأجر مثل التنظيف ورعاية المرضى أو العمل في المؤسسات العامة، مع ساعات عمل طويلة وأجور أقل من مثيلاتهن الإسرائيليات.
وتقول المقدسية "ع.ن": "أعمل في مستشفى، وأضطر للخروج قبل الفجر لعبور الحاجز، والوصول للعمل بعد ثلاث ساعات أحيانًا. أما الحصول على الخدمات الصحية، فالأمر أشبه بالمعجزة. الحواجز لا تسمح بمرور سيارات الإسعاف في الوقت المناسب."
تجربة (ع.ن) تشير إلى أن القيود على الحركة والفجوة في فرص العمل تجعل النساء أكثر عرضة للاستغلال الاقتصادي، ويؤثر ذلك على قدرتهن على دعم الأسرة، خاصة عند فقدان الزوج للعمل أو عند وجود أعالة للأطفال.
التحديات القانونية... زنزانة من القوانين المتناقضة
تتحمل المرأة المقدسية العبء الأكبر نتيجة تعدد القوانين الاحتلالية وتناقضها، خاصة في قضايا الزواج والطلاق والحضانة والإقامة. فإثبات الزواج أمام محاكم القدس شرط أساسي للحفاظ على حقوقها القانونية، بينما لا تُنفذ قرارات محاكم الضفة الفلسطينية على النساء المقدسيات.
يشير رامي صالح، مدير فرع القدس في مركز المساعدة القانونية، إلى أن أكثر القضايا شيوعًا بين النساء المقدسيات تشمل: طلبات لمّ الشمل وتسجيل المواليد وإثبات مكان الإقامة والحصول على المخصصات التأمينية الوطنية.
ويوضح: "كل هذه الإجراءات تقع على عاتق المرأة، ما يزيد من الضغط النفسي والاجتماعي والاقتصادي، خاصة إذا كان الزوج من الضفة ولا يستطيع تقديم طلب لمّ الشمل."
الانتهاكات الاحتلالية... قهر مضاعف للنساء
يعد قانون المواطنة ولمّ الشمل أحد أبرز القوانين التي تؤثر على المقدسيات، إذ يضعهن أمام خيارين أحلاهما مر: إما الحفاظ على الإقامة داخل المدينة مع كل ما يتبعها من حقوق، أو الانتقال للعيش مع الأسرة في الضفة، مع مخاطر فقدان الهوية والخدمات.
ويشير سامر الداودي، مدير ائتلاف القدس لحقوق الإنسان، إلى أن النساء يتحملن العبء الأكبر في السياسات المرتبطة بهدم المنازل، ومحدودية الوصول إلى التعليم، ومنع خريجي الجامعات الفلسطينية من العمل في مدارس القدس، ما يعكس استهداف الاحتلال للوجود الفلسطيني، وتحديدًا للمرأة باعتبارها الأكثر هشاشة.
العنف الأسري... تعقيدات اجتماعية وقانونية
تروي "ر.ح" تجربتها مع العنف الأسري وصعوبة تثبيت عقد الزواج، بسبب اختلاف الهوية بين الزوجين: "كنت أعاني من عنف لفظي وجسدي، حتى أثناء حملي بطفلي. لم أكن أفكر في نفسي فقط، بل في حقوق طفلي، وكيف أحميه."
وتقول رانيا سنجلاوي، الأخصائية الاجتماعية في مركز المرأة للإرشاد القانوني: إن قضايا الأحوال الشخصية غالبًا ما تكون نتيجة مشكلات اجتماعية أعمق، مثل تدخل الأسرة أو قلة المسؤولية الاقتصادية للزوج، أو تعقيدات الهوية، ما يستدعي تدخلًا قانونيًا واجتماعيًا متكاملًا.
المقدسيات... بين القانون الدولي والانتهاكات
في دراسة نوعية أعدّها مركز المرأة للإرشاد القانوني والاجتماعي بعنوان "واقع واحتياجات النساء المقدسيات/ 2025"، أكدت أن القوانين والإجراءات الإسرائيلية المفروضة في مدينة القدس تُعدّ باطلة وفق القانون الدولي وعدد من القرارات الأممية ذات الصلة.
وفي هذا السياق، يوضح معدّ الدراسة ومسؤول البحث والمناصرة في المركز نبيل دويكات أن هذه المرجعيات الدولية يمكن توظيفها لتكثيف حملات المناصرة القانونية والسياسية، بهدف الضغط على المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها الأمم المتحدة ومجلس الأمن، لاتخاذ خطوات عملية تُلزم سلطات الاحتلال بوقف الانتهاكات التي تستهدف المقدسيين، وتؤثر بشكل مضاعف على النساء وحقوقهن السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمدنية. ويؤكد دويكات أن المجتمع الدولي مطالب بتحمّل مسؤولياته، عبر تنفيذ قراراته الخاصة بالقدس، ورفض الإجراءات التي تهدف إلى عزل المدينة عن محيطها وفرض ضغوط تدفع سكانها نحو التهجير القسري.
وفيما يتعلق بالإجراءات المطلوبة لمواجهة الانتهاكات التي تعاني منها المرأة المقدسية، يشير دويكات، استنادًا إلى توصيات الدراسة، إلى أن المؤسسات الدولية مطالبة، إلى جانب المواقف السياسية، بتوفير دعم اقتصادي وقانوني فعلي للنساء المقدسيات. فالقضايا القانونية المرتبطة بالإقامة ولمّ الشمل والأحوال الشخصية تتطلب وقتًا طويلًا وتكاليف مرتفعة، في ظل محدودية فرص العمل ومصادر الدخل لدى شريحة واسعة من النساء، ما يجعل توفير الدعم القانوني والمالي أولوية ملحّة، عبر تعزيز تمويل المؤسسات الفلسطينية المتخصصة بتقديم الخدمات القانونية والاجتماعية.
أما على الصعيد المحلي، فيؤكد دويكات ضرورة تعزيز التنسيق بين المؤسسات المقدسية، والعمل ضمن مقاربة تكاملية تتيح تقديم خدمات شاملة وفعّالة للنساء، وتساهم في إيجاد حلول أكثر عدالة وإنصافًا بعيدًا عن مسارات التقاضي الطويلة أو الحلول العشائرية التقليدية التي قد تكرّس أنماطًا اجتماعية مجحفة بحق النساء، بما يعزز فرص الحماية القانونية والاجتماعية ويخفف من تعقيدات الواقع الذي تعيشه المرأة المقدسية.
الفجوة بين الخدمات والاحتياجات
وتشير الدراسة إلى نقص الخدمات الأساسية المقدمة للنساء المقدسيات، خاصة النفسية والاقتصادية، وأن تقديم الخدمات القانونية بمعزل عن الاجتماعية قد يترك أثرًا سلبيًا، إذ غالبًا ما تتطلب قضايا العنف الأسري تدخلًا اجتماعيًا مباشرًا لحل النزاعات الأساسية، وليس فقط نتائجها القانونية.
وتؤكد سنجلاوي أن توفير خدمات متكاملة متعددة التخصصات هو السبيل لتمكين المؤسسات من تقديم تدخلات نوعية واستدامة الحماية للنساء والأطفال، بما يضمن الحد الأدنى من العدالة والاستقرار الأسري.
دور المؤسسات الدولية والمانحين
رغم ضخ ملايين الدولارات في برامج تتعلق بالمساواة بين الجنسين ومناهضة العنف القائم على النوع الاجتماعي، لم يتحقق تغيير جوهري في واقع المرأة المقدسية، حسب الداودي.
ويضيف: "التمويل غالبًا قصير الأمد ولا يعالج الجذور البنيوية للمشكلة، مثل استمرار الاحتلال والانتهاكات المنهجية. كما تراجعت أولوية القدس لدى المانحين، وتضيق المساحة المتاحة لمؤسسات المجتمع المدني."
توصيات لتعزيز الحماية والدعم
ويقترح خبراء حقوقيون وضع خطة استراتيجية شاملة للقدس الشرقية، تربط التدخلات الجندرية بالسياق الحقوقي الأشمل، بما يشمل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والمدنية، مع مقاربة تكاملية تهدف إلى تمكين النساء من الوصول لحقوقهن بشكل فعلي ومستدام.
ويعمل حاليًا ائتلاف القدس لحقوق الإنسان بالشراكة مع مؤسسات محلية ودولية على تقديم خدمات قانونية شاملة، المناصرة، وزيادة الوعي، مع التركيز على دعم النساء في حماية الأسر ومنع التهجير القسري.
مؤشرات:
عدد الفلسطينيين في القدس نحو 370 ألف نسمة، النساء حوالي نصف العدد.
نسبة مشاركة النساء في سوق العمل بين 20 و25%
أكثر من 70% من العائلات المقدسية تحت خط الفقر، مع ارتفاع النسبة بين الأسر التي تعيلها نساء.
القدس تسجل أعلى معدلات الحبس المنزلي للأطفال والشباب، ما يضاعف العبء النفسي والاجتماعي على الأمهات.
تكشف هذه الشهادات والبيانات واقعا صعبا ومعقدا، إذ تتحمل المرأة المقدسية العبء الأكبر من السياسات الاحتلالية والاجتماعية، لكنها تبقى حجر الزاوية في صمود الأسرة والمجتمع داخل المدينة. ويؤكد الخبراء أن المقاربات القانونية والاجتماعية والسياسية يجب أن تتكامل مع الدعم الدولي والمحلي لضمان حقوق النساء المقدسيات، وإبقاء القدس مدينة فلسطينية نابضة بالحياة، ومحافظة على هويتها الوطنية.
.jpeg)
مواضيع ذات صلة
المقدسيات بين انتهاكات الاحتلال وضغوط الواقع.. صراع يومي للحفاظ على الهوية
وفد لجنة الأمم المتحدة المعنية بممارسة شعبنا لحقوقه يزور كوبا في إطار الحراك لحشد الدعم الدولي
الاحتلال يقتحم قرية المغير وينكل بمواطنين
"التربية" تفتتح عددا من المشاريع التعليمية في مديرية جنوب الخليل
رئيس الوزراء يلتقي وزيري خارجية مصر وتونس
طولكرم: وقفة وطنية لمناسبة الذكرى الـ57 لانطلاقة الجبهة الديمقراطية