جدلية العلاقة بين الدولة والمنظمة
نبض الحياة - عمر حلمي الغول

في أعقاب نشر مشروع الدستور الفلسطيني عشية الاستفتاء عليه، برزت بعض الأسئلة عن علاقة ومكانة منظمة التحرير الفلسطينية بالدستور والدولة الفلسطينية، وطرح آخرون استفسارا بشأن وجود الدولة في الواقع المعطي، وأفترض أن الأولوية القانونية والسياسية ما زالت لمنظمة التحرير، لأن الدولة لم تستقل بعد، وكأن استقلال الدولة هو الذي يحدد وجودها من عدمه؟! ولإزالة الضبابية والالتباس في أذهان أصحاب التساؤلات، تملي الضرورة توضيح الأمر بشكل علمي وسياسي وقانوني، ووضعها في سياقها السسيولوجي التاريخي لتستقيم القراءة العلمية لجدلية العلاقة بين الثابت والمتحرك.
الأساس في قراءة المسألة، الوجود التاريخي للدولة الفلسطينية، التي جرى تقسيمها في تشرين الثاني / نوفمبر 1947 إلى دولتين فلسطينية عربية وإسرائيلية صهيونية، قبل نهاية الانتداب البريطاني الذي تم كنتاج لاتفاقية سايكس بيكو 1916، وعشية انتهاء الحرب العالمية الأولى، أي أن الدولة الفلسطينية التي كافح الشعب الفلسطيني منذ بداية الغزوة الصهيونية التي بدأت تحت وجود الحكم العثماني نهايات القرن التاسع عشر، وثم جاء الانتداب البريطاني، وأثناء ذلك أشعل الشعب الفلسطيني شرارة ثورة 1936 / 1939 لنيل الاستقلال الوطني، إلا أن المؤامرة الاستعمارية الإمبريالية الصهيونية نجحت في تقسيم الدولة الفلسطينية العربية، وحصلت نكبة عام 1948، إلى أن تشكلت منظمة التحرير عام 1964، وتلا ذلك انطلاق شرارة الثورة الفلسطينية المعاصرة مطلع 1965، مما استوجب قيادة فصائل الثورة للمنظمة 1969، أي أن الدولة الفلسطينية هي الأسبق من المنظمة. لأن المنظمة والفصائل تشكلت لتحرير الدولة الواقعة تحت نير الاستعمار الإسرائيلي منذ عام النكبة الأولى، ثم اعقبتها هزيمة حزيران /يونيو 1967، بالنتيجة وحتى لا نكرر محطات التاريخ التي مرت بها الثورة، ومع إقامة السلطة الوطنية كتجسيد أولي للكيانية الفلسطينية، وتعزيز مرتكزات الدولة الفلسطينية القائمة أصلا، ولم تختفِ من الواقع، ممثلة بالشعب والأرض والمؤسسات السياسية التنفيذية والقانونية (النظام الأساسي).
ووجود منظمة التحرير كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني في قيادة الكفاح الوطني لتحرير الدولة الفلسطينية، لا يعني أولويتها وأسبقيتها على الدولة. ولهذا مشروع الدستور الجديد المطروح الآن للمراجعة والتدقيق عشية الاستفتاء، أكد في الديباجة على استمرارية دور ومكانة المنظمة الآن وبعد إقامة الدولة: وجاء فيها " وإلى حين إنجاز الاستقلال الوطني الكامل وممارسة الحقوق غير القابلة للتصرف، وفي مقدمتها حق العودة وفق القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، تبقى منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني ومرجعيته التمثيلية في جميع أماكن تواجده، وتستمر المنظمة بالقيام بواجباتها النضالية وفقا للميثاق الوطني" وأكد على ذلك في المادة (11) التي نصت على "أن قيام دولة فلسطين لا ينتقص من مكانة منظمة التحرير الفلسطينية بصفتها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني."
إذن مشروع الدستور لم يغيب دور منظمة التحرير نهائيا. بيد أن مشروع الدستور يخص الدولة وليس المنظمة. لأن المنظمة لها ميثاقها الوطني، كون وظيفتها مختلفة ومحصورة في العملية الكفاحية التحررية وتمثيل أبناء الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات الآن وبعد قيام الدولة الفلسطينية إلى أن يعود جميع اللاجئين لوطنهم الأم فلسطين وفقا لقرار 194الدولي والحق التاريخي المكفول لهم.
ولتعزيز الفهم المشترك بهذه المسألة، فإن إصدار الدستور للدولة الفلسطينية الواقعة تحت نير الاستعمار الإسرائيلي، لا يتناقض مع وجود المنظمة وميثاقها. لأن الدولة سابقة على الاحتلال، وما زالت موجودة تحت سيطرته حتى الآن، وستبقى بعد طرده وتحرير أراضيها منه، وفرض سيادتها على الأرض والشعب بشكل كامل. وبالتالي فإن العملية الكفاحية الوطنية تأخرت في الربط العميق بين وجود دستور الدولة وميثاق منظمة التحرير، وعليه فإن إقرار الدستور لا يتناقض مع العملية الكفاحية، لأنه جزء منها ومعمق لها، وأداة كفاحية تعزز الصمود والحقوق السياسية والقانونية للشعب على ترابه الوطني، ويؤكد على قرارات الشرعية الدولية وخاصة قرار التقسيم 181 إلى آخر قرار دولي ويعمق الراي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر في تموز / يوليو 2024، وأيضا يعزز مخرجات المؤتمر الدولي الداعم لخيار حل الدولتين على حدود الرابع من حزيران/ يونيو 1967.
إذن هناك علاقة جدلية عميقة بين الدولة والمنظمة، وبين الدستور والميثاق، ومن يعتقد أن هناك تناقضا أو التباسا أو غموضا ما، فعليه التدقيق جيدا في الترابط والتكامل بين المؤسستين، رغم اختلاف مهامهما وأدوارهما، مع ضرورة التأكيد على أن الدولة كانت وستبقى الركيزة الأساسية لكفاح الشعب العربي الفلسطيني، دون التقليل من دور ومكانة المنظمة كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني، وأحد أهم إنجازات الشعب الوطنية.