مخيم الفارعة يبكي "فتى" أم الزينات

طوباس- الحياة الجديدة- عبد الباسط خلف- ودع مخيم الفارعة الأربعاء الماضي التسعيني أحمد محمد حسن أبو طربوش، ابن قرية أم الزينات، جنوب شرق حيفا، التي دمرها الاحتلال عام 1948.
ويصف العضو السابق في اللجنة الشعبية لخدمات مخيم الفارعة، نافز جوابرة، رحيل أبو طربوش، بأحد آخر الشهود على النكبة والقرى المدمرة، الذين اقاموا في المخيم.
ويقول لـ"الحياة الجديدة" إن اللجنة ووزارة الإعلام سابقا، سجلتا شهادة شفهوية لأبي طربوش قبل رحيله، ضمن سلسلة (ذاكرة لا تصدأ)، واستعرض في الشهادة المكتوبة والمرئية كروم قريته وزيتونها ولوزها وخروبها.
ومما باح به الراحل، قبل وفاته: أتذكر خلة الزرد، والرجم، والانجاصة، وجرن البارود، وكرم ظاهر، والحساسنة، وخلة الجاج، وبير الناطف، وأراضي الروحة، وغدران العليق، ووادي أبو نمر، والشقاق، والصفصافة، وبير الهرامس ووادي الملح. واشتهرت قريتنا بأرضها وينابيعها، وكنا نزرع كل شيء صيفا وشتاء، ونربي الأغنام.
وقال: كانت تحيط بنا قرى إجزم، والكفرين، ودالية الكرمل، وعسفيا، وأقرب قرية علينا هي الريحانية، وكنا نذهب للكسوة (شراء الملابس) إلى حيفا، ولا أنسى بحرها الذي كنا نزوره بالمناسبات، وكنا نتجول في ساحة الحنطور، ووادي الجمال، ووادي الصليب، والخليصة، ووادي النسناس، والهادار، وحواسة.
وأبصر أبو طربوش النور عام 1936 في قريته، وتعلم في مدرستها حتى الخامس الابتدائي، ولم يكن في مدرسته إلا الصف السابع، ومن رغب بإكمال تعليمه كان ينتقل إلى حيفا، ويسكن فيها. ولضيق المكان، كانت إدارة المدرسة تجمع كل صفين معا، ولم يكن فيها غير أربع غرف وأربعة معلمين، يتذكر منهم المدير أبو حسن الكرمي، وأبو بكر من برقة قرب نابلس.
وسرد في شهادته: كان في القرية مختاران وثلاثة دواوين للسمر ليلا، وعدد سكانها نحو 1500 نسمة، وعائلاتها التي أتذكرها: الفحمانة، (فحماوي)، والشخاسفة (الشيخ يوسف)، ومنصور، والحرادنة، والبشايرة (بشير)، وصبح، والشواشرة، ودبور.
ومما لم يسقط من ذاكرة الراحل، لحظات إشعال حزم الحطب لإحياء أعراس الشبان على البيادر (الأمكنة المخصصة لجني محاصيل الحنطة والذرة البيضاء بالأساس)، وتجهيز مشاعل من القماش وترطبيها بالكاز وإشعالها حين تذهب النسوة لإحضار العروس. وأجواء شهر رمضان وما فيها من طقوس للسحور والفطور وزيارات وسمر وأطباق خاصة. ومشاهد وداع الحجيج واستقبالهم. ومناسبات العيد، حين يذهب الأطفال إلى (المراجيح) المصنوعة من الحبال والمربوطة في الأشجار الكبيرة بأطراف القرية. والشيل (تحميل الحنطة وغيرها) على ظهور الجمال.
وأفاد: كانت القلوب قريبة من بعضها، وكنا نتزاور، ويتساعد الناس في الحصاد، والبيادر، وبناء البيوت، والأعراس. وكانوا يرفضون أن يتعاملوا بالبيع والشراء مما تنتجه الأرض، فمن يملك مزرعة يدعو غيره لقطف الخضراوات، دون مقابل. وكنا لا نعرف الغلاء، فرأس الغنم بثلاثة جنيهات، والبقرة بخمسة.
وتابع: في إحدى ليالي أيار 1948، كنا ننام في بيتنا، وفي آخر الليل، وفي الصباح الباكر كانت الدنيا غطيطة (ضباب) سمعنا صوت إطلاق النار فهربنا إلى أحراش الكرمل، ثم انتقلنا إلى إجزم، وأمضينا نحو أربعة أشهر فيها، التي ظلت تقاوم اليهود بشراسة، وفي أحد أيام رمضان، ونحن نستعد لتناول الفطور، شاهدنا الطائرات تضرب القرية، وقصفتها البواخر من البحر، وسقطت إحدى القذائف على بعد مسافة قصيرة منا، وأحدثت حفرة عميقة في الأرض، وانتشر خبر إصابة مجموعة من نساء عائلة صبح.
ووفق المرحوم أبو طربوش، فإن مشاهد الاقتلاع من أم الزينات كانت عصيبة، فقد سمعوا بقصة قتل زعيم القرية عبد الغني بشير، وتصفية محمد سليم حردان وهو نائم، كما شاهد بأم عينه بقايا أمتعة عائلة دبور، التي كانت تفر من القرية وقد أخذت معها جملا كان محملا بالأغراض، لكن العصابات الصهيونية قتلتها كلها عند بئر المياه، ومنهم عادل الذي كان عريسا جديدا، كما نحروا الجمل.
وتابع: هربنا بعدها إلى دالية الكرمل وعسفيا، ولم نستقبل فيها، وقال لنا بعض أهلها (بدهم اليهود يذبحوكم) لنذهب منها إلى أراضي الروحة، ثم إلى عارة وعرعرة، وفي الطريق فقدنا أخي ذيب، ووجدناه بعدها. وشاهدنا الشاحنات تحمل الناس من المدارس وتذهب بهم إلى العراق، وصعدنا عليها أنا وأخوتي ووالدي، لكن عمي حسين صار يبكي علينا فرجعنا. بعدها انتقلنا إلى أم الفحم ثم عانين شمال غرب جنين، فقرية تعنك، حتى وصلنا مخيم الفارعة.
مواضيع ذات صلة
مخيم الفارعة يبكي "فتى" أم الزينات
برقين تمشي إلى تاريخها وتراقب ألوانها...
رئيس الوزراء يصل أديس أبابا للمشاركة في قمة الاتحاد الأفريقي
بن غفير يقتحم سجن "عوفر" ويهدد الأسرى
(محدث) إصابة شاب في مواجهات مع الاحتلال في تقوع
اندلاع مواجهات مع الاحتلال في تقوع جنوب شرق بيت لحم
اللجنة الرئاسية للمساعدات تقدم طرودا غذائية للأسر المحتاجة في قطاع غزة