من يحرك خيوطنا؟ "واختلطت عليك الخيل" ومساءلة الواقع
وفاء داري

كتاب "واختلطت عليك الخيل" ليس مجرد مجموعة نصوص أدبية تروي حكايات إنسانية، بل هو شهادة لغوية على زمن اختلطت فيه المعايير كما تختلط الخيل في ساحة المعركة، فلا يعود ممكنا التمييز بين الأصيل والمهجن، بين الضحية والجلاد، بين الحقيقة وصورتها المشوهة.
في 148 صفحة، يقدم خالد جمعة، الصادر عن دار طباق للنشر والتوزيع، نصوصا تنتمي إلى الأدب الذي يكتب الألم لا بوصفه حدثا، بل بوصفه حالة وجودية يعيشها الإنسان حين يفقد القدرة على فهم ما يجري حوله.
تشي صورة الغلاف لكتاب "واختلطت عليك الخيل" لخالد جمعة منذ اللحظة الأولى بأننا أمام عمل لا يكتفي بسرد الحكاية، بل يسعى إلى مساءلة الإدراك ذاته: كيف يرى الإنسان الواقع؟ وكيف يختلط عليه المشهد حتى يفقد القدرة على التمييز بين الحقيقة والوهم، بين الفاعل والمفعول به، بين الضحية والجلاد؟
الكتاب يمكن تصنيفه ضمن الأدب الفلسفي الاجتماعي الذي يستخدم السرد أو المقالة الأدبية لتفكيك واقع الإنسان المعاصر في سياق سياسي واجتماعي مضطرب.
الغلاف:
الغلاف للفنان التشكيلي (ميسرة بارود) من غزة، مفتاح تأويلي للنص في أعلاه تظهر أجساد بشرية بيضاء معلقة بخيوط، أشبه بدمى الماريونيت، تتكرر في أوضاع مختلفة، لكنها جميعا مرفوعة الأيدي، وكأنها في حالة استسلام كامل لقوة خفية تحركها. وفي الأسفل نرى أجسادا ملقاة على الأرض، ممددة، كأنها سقطت بعد أن قطعت الخيوط أو استنفدت طاقتها. بين الأعلى والأسفل تتشكل ثنائية بصرية: التحكم والسقوط، الحركة القسرية والشلل، التسيير والانهيار. هذه الصورة تكشف مباشرة عن النوع الأدبي للعمل: نحن أمام نص ينتمي إلى الأدب الرمزي التأملي، حيث لا يكون الحدث هو المركز، بل الحالة الوجودية التي يعيشها الإنسان داخل منظومة أكبر منه.
العنوان:
"واختلطت عليك الخيل" عنوان استعاري شديد الدلالة. العبارة في أصلها تشير إلى اختلاط الفرسان في المعركة بحيث لا يعود المرء قادرا على تمييز صديقه من عدوه. لكن الكاتب يوظفها لتشير إلى اختلاط أشمل: اختلاط القيم، اختلاط الأدوار، اختلاط المعايير، واختلاط الوعي نفسه. لم تعد المشكلة في الخارج فقط، بل في الداخل: في عين ترى ولا تبصر، وفي عقل يتلقى الصور دون أن يستطيع ترتيبها.
الثيمات الأساسية:
تمحورت حول الاغتراب، فقدان الإرادة، هيمنة القوى غير المرئية على مصائر البشر، التشوه الإدراكي، والانهيار الإنساني تحت ضغط الواقع. الإنسان هنا ليس بطلا تقليديا، بل كائن مدار، تتحكم به خيوط السلطة، العادات، الخوف، الإعلام، أو حتى أوهامه الخاصة.
أما الرسالة التي يحملها هذا العمل، فهي دعوة إلى الوعي. ليس وعيا سياسيا فحسب، بل وعي إدراكي: أن يسأل الإنسان نفسه من يحركه؟ من يشد خيوطه؟ لماذا يقف مرفوع اليدين؟ ولماذا يسقط حين تنقطع الصلة؟ إن النص يدفع القارئ إلى مساءلة وضعه الشخصي داخل هذا المشهد الكبير.
من حيث الأسلوب الأدبي واللغة، فإن روح العمل كما توحي به بنيته البصرية تميل إلى التكثيف الرمزي، واللغة المشحونة بالإيحاء، حيث لا تقال الأفكار مباشرة بل تلمح عبر صور واستعارات. إنها لغة تمزج بين السرد والتأمل، بين التصوير الفني والتحليل الفكري، فتخلق نصا يقف على الحد الفاصل بين الأدب والفلسفة.
الأهم في هذا العمل هو قدرته على نقل الواقع بإبداع. فهو لا يقدم الواقع كما هو، بل يعيد تشكيله بصريا ورمزيا ليجعله أكثر وضوحا مما لو عرض بطريقة مباشرة. فالمشهد الذي يقدمه الغلاف قد يبدو خياليا، لكنه في الحقيقة أقرب ما يكون إلى توصيف دقيق لحالة الإنسان العربي المعاصر: إنسان يشعر بأنه يحرك، وأن قراراته ليست قراراته، وأنه في لحظة ما قد يجد نفسه ملقى على هامش الحياة.
ختاما يمكننا القول إن الغلاف والعنوان والنصوص مواز وفلسفي، ويغدو العمل برمته محاولة أدبية عميقة لفهم هذا الاختلاط الكبير الذي أصاب الخيل.. وأصاب الإنسان قبلها.
مواضيع ذات صلة
ليس حزنا تماما
لغة الحياة اليومية ورزنامة الجثث.. قراءة في ديوان "طلقة في الاسم" للشاعر الفلسطيني مهيب البرغوثي
صدور الجزء الثالث من كتاب "سنوات من العطاء" عن نادي حيفا الثقافي
من يحرك خيوطنا؟ "واختلطت عليك الخيل" ومساءلة الواقع
المخرجة الفلسطينية شيماء عواودة تحصد الجائزة الكبرى في مهرجان كليرمون- فيران
تحريك الضمير بالسكون
ليالي بدر... ذاكرة الليل على أطراف القلب