عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 08 شباط 2016

من بيدر الحياة

عبد السلام العابد

المدارس... والشتاء

قال المعلم الثمانيني المتقاعد، رأيت في الطريق طلاباً يلعبون في الحارة صباحاً، فسألتهم: لماذا لم تذهبوا إلى مدرستكم؟ فأجابوا: لم نذهب؛ بسبب الأحوال الجوية السائدة. فقلت: رحم الله أيامنا الماضية، لم نكن نعطل عن الدراسة، حتى ولو كانت الأجواء باردة وماطرة.

وعاد بذاكرته إلى سنوات طويلة ماضية، أيام كان طالباً. كنا نذهب إلى مدرستنا مبكرين، ولم نكن نرتدي الملابس الشتوية التي يتمتع بها أبناؤنا الطلبة في الوقت الحاضر، أذكر اننا كنا نرتدي البناطيل القصيرة، والقمصان الخفيفة، وحينما رأينا طالباً يرتدي بنطالاً طويلاً، تعجبنا، وأصابنا الذهول.

وفي بداية الخمسينات، تساقطت على بلادنا فلسطين الأمطار الغزيرة والثلوج، فقال لنا مدير المدرسة: اذهبوا إلى بيوتكم، ولا تأتوا، إلا بعد أن نعلمكم باستئناف الدراسة. وفي تلك السنة، كنت ارتدي حذاء ممزقا، وعندما لم يعد صالحا للمشي خلعته، وألقيت به في الوادي، وتابعت سيري ماشيا دون حذاء. ولما لم يكن أهلي قادرين على شراء حذاء جديد لي، فقد كنت أذهب إلى مدرستي البعيدة، وأعود إلى بيتي حافيَ القدمين، مع زملائي الحفاة. إلى أن تيسرت أمور الوالد المادية، فقال لي: يوم الجمعة سأشتري لك حذاء جديدا، فقلت له: ولماذا يوم الجمعة؟ يوم الخميس المقبل سأحضر إلى المدينة مشيا على قدميّ، وسآتي إليك، وأنت جالس في المقهى، فتشتري لي هذا الحذاء. وبالفعل ذهبت يوم الخميس، بعد انتهاء الدوام، واصطحبني أبي إلى أحد المحلات، واشترى لي حذاءً جديدا. وعدت إلى قريتي، وأنا في غاية السعادة والسرور.

بناتنا وأبناؤنا الطلبة الأعزاء مرفهون في هذه الأيام، وبعضهم لا يكتفي بالعطل التي تقرها وزارة التربية والتعليم، بل إنهم يعمدون إلى البقاء في بيوتهم وأسرتهم الدافئة، بمجرد أن يسمعوا، عبر وسائل الإعلام أن السماء ستمطر، وأن الجو سيكون بارداً، واعتقد أن هذا التصرف خاطئ ولا يجوز، بل إنّ الواجب يحتم علينا أن نلتحق بمدارسنا، وأن ننهل من معين العلم والثقافة والمعرفة، حتى ولو كانت الأجواء باردة، وأمطار الخير والعطاء تنزل من السماء، فلا أحلى ولا أجمل من المدرسة في الشتاء، حيث يجتمع الطلبة في فصولهم، ويستمعون إلى معلماتهم ومعلميهم الأفاضل، فيما تقرع قطرات المطر النوافذ، وبين الحين والآخر، يرون البروق اللامعة، ويسمعون الرعود المزمجرة، ويتعايشون مع بيئة البلاد في بردها وحرّها.