دفنونا بأحلام الثلج العاشق

استراحة الحياة- بشار دراغمة- الفلسطيني والثلج يعشقان بعضهما، عاشقان لا يلتقيان الا نادرا، يرسمان لبعضهما موعدا سريا لكن سرعان ما يشاع إلى العلن، يشي هواة الرصد بالموعد والمكان، يدرك كل الناس الحدث ويستعدون للقاء أسطوري طال انتظاره ويكادون يذبحون خرافا استعدادا للحدث شبه التاريخي، ينتظر العاشق الفلسطيني في الموعد والمكان، فيطل الثلج العاشق خجولا مبتلا متناثرا، محملا الظروف المحيطة كامل المسؤولية عن هذه الاطلالة الخجولة، أو قد يغيب ولا يلتزم بالموعد من أساسه، داعيا للبحث عن الواشي الكاذب.
مشهد يكاد يتكرر سنويا، الفلسطيني دائم الالتزام بموعد الانتظار، والثلج غالبا ما يأتي بصورة عكس المتوقعة، نلومه على الصورة التي جاءنا بها، وهو يلومنا لأننا توقعنا منه أكثر ويوشك أن ينطق بالقول "هذا كل ما لدي، لكنكم رسمتم لأنفسكم لقاء مختلفا ولم أكن أنا طرفا في رسم هذه التوقعات".
الفلسطيني عاشق الثلج يعلم أنه سيكرم ضيفه وأن كرم الضيافة سيكلفه الكثير، وسيفرض عليه حظرا للتجوال ومضاعفة للنفقات وارهاق للميزانيات، لكنه مستعد لكل هذه الخسائر مقابل قدوم الزائر العاشق، حتى أن الفلسطيني يخسر كل ذلك وهو يستعد للقاء دون التأكد من ضرب موعد نهائي وموثوق للحدث.
قال هواة الطقس إن اللقاء سيكون حميميا، وبعضهم أطلق لقب "أم العواصف" على الحدث، فقال فلسطيني غاضب "جاءتنا الأم ولم تأت بأبنائها العواصف معها، ولم تكن اطلالتها إلا كإطلالة عاشقة في التسعين، نسيت معنى العشق وقضت السنين على آمالها بالإنجاب، فوقفنا عند الباب والنوافذ ننتظر خيراتها فلم تعطنا الا الأعذار".
الأحوال الجوية كانت شبه عادية في الكثير من المدن باستثناء محافظة الخليل التي شهدت تساقطا ثلجيا، على مدار يومين لم يذهب الطلبة لمدارسهم بقرار رسمي، الكثيرون أيضا منحوا أنفسهم اجازات مفتوحة لاستقبال "أم العواصف".
في مدينة نابلس التي انتظرت كثيرا عاشقها الأبيض كانت الثلاثاء الماضي شبه خاوية، حتى أصحاب المحال التجارية غابوا عن مواعيدهم اليومية التي كانوا يضبطونها على "بيغ بين" وراحوا ينتظرون "أم العواصف" في بيوتهم، طال انتظارهم فلم يروا إلا قطرات مطر قليلة، فاختفت البهجة وراح الكل يلوم الراصد الجوي الذي أخبرهم بموعد دقيق وكان يدعوهم لتجهيز الكستناء والبطاطا الحلوة والكثير من الخبز وشيء من الطحين قد يلزم ان طال زمن اللقاء.
أحدهم ملأ المقعد الخلفي لسيارته بأكياس الخبز، ربما وضع هناك 20 كيسا أو يزيد وفي خزانة السيارة مواد تموينية مما لذ وطاب، بعد يومين أطل عليه جاره الذي لم يحتط قائلا "يا جار تأكل خبزا طازجا بدل الخبز المفرز عندك".
رغم تعرضنا لتجارب التهويل والتخويف من الأحوال الجوية إلا أن التجربة تتكرر سنويا، في كل عام يكون هناك تضخيم للحالة الجوية ويسعى الراصدون غير الرسميين للطقس لجذب المتابعين لصفحاتهم على الفيسبوك تحت عناوين مختلفة ولافتة معظمها تدعو المواطن لانتظار حالة جوية غير مسبوقة.
موقع طقس فلسطين الذي تعرض لهجوم كبير اثر عدم وصول الثلوج لكل المناطق دافع عن نفسه بالقول "هجوم كاسح على موقعنا للأسف الشديد، نحن لا نعمل بالتنجيم إطلاقا ولسنا كاذبين ونتألم عندما يتم نعتنا بالكاذبين.. نحن نحلل الخرائط الجوية التي تصلنا ونضعها بين ايديكم دون زيادة أو نقصان، والارصاد الاسرائيلية الرسمية توقعت ثلوجا في القدس.. لماذا لا يتم مهاجمتها وهي تملك الملايين والكوادر الهائلة وأحدث الأقمار الصناعية والمعدات والرادارات بينما لا نملك شيئا من هذا؟".
المواطنون الذين انتظروا الثلوج واستعدوا لها لم يعجبهم الواقع الذي حل. ويتساءل الواطن هيثم حموي قائلا: "وين القانون عن الراصد الجوي، كل ربع ساعة كان ينزل تقريرا عن المنحفض وعن ارتفاعات الثلوج؟".
لكن هذا الرأي يخالفه فاروق عاشور الذي قال إن حجم الهجوم على مواقع الطقس والرصد الجوي كبير، مضيفا "يتهمونهم بالتهويل والكذب والفشل في قراءة الحالة الجوية، الحقيقة أنا أتابع في كل شتاء موقعين فقط هما طقس فلسطين وطقس الوطن، كما اتابع صفحة الراصد قصي الحلايقة، وتوقعاتهم وتحديثاتهم تصل دقتها الى حد 90%، توازن في التنبيه والتحذير، ومتابعة مستمرة.. فلهم كل الشكر والتقدير، وعفكرة التحذير من الشيء وعدم حدوثه، أفضل ألف مرة من الغفلة عنه ثم اذا وقع عدم القدرة على التعامل معه".
مواضيع ذات صلة
الأغوار تودع حارسها...
الأمين العام المساعد، رئيس قطاع فلسطين والأراضي العربية المحتلة، السفير مصطفى لـ"الحياة الجديدة": القضية الفلسطينية لم تعد ملفًا مؤجّلًا، بل اختبار حقيقي لمصداقية النظام الدولي
يوم الصناديق في جنين
تحت قيود الاحتلال.. 70 ألف مصلٍ يحيون جمعة الأقصى
حين يقتحم إرهاب المستوطنين البيوت... صورة ليلة لا تنسى في بيت إمرين
عرب الخولي... ترحيل تحت وطأة التهديد والسلاح